محاور الوحدة
_ النقد التوثيقي عند ابن سلام الجمحي،
_ ابن المعتز ومدرسة البديع،
_ نظرية عمود الشعر عند المرزوقي،
_ نظرية النظم عند الجرجاني.
بعض المصادر والمراجع
- طبقات الشعراء لابن سلام الجمحي (232ه)
- البديع لعبد الله المعتز (296ه)
- الموازنة بين أبي تمام والبحتري للآمدي ( 371ه)
- الوساطة بين المتنبي وخصومه للقاضي الجرجاني (392ه)
- دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني (471ه)
- أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني.
- مصطلحات التخطئة الشعرية في التراث النقدي لصالح أزوكاي،
- معجم مصطلحات النقد العربي القديم لأحمد مطلوب،
- التفكير النقدي عند العرب لعيسى علي العاكوب،
- نظريات الشعر عند العرب لمصطفى الجوزو.
ابن سلام الجمحي والنقد التوثيقي
(الانتحال في الشعر)
التوثيق: من وثِقَ يثق، وثِق به: ائتمنه، ووثقت فلانا إذا قلت إنه ثقة، والوثيقة في الأمر إحكامه والأخذ بالثقة، واستوثقت من فلان وتوثّقت من الأمر إذا أخذت فيه بالوثاقة[1].
والتوثيق اصطلاحا يعني “كتابة الشيء للدقة في العمل وحفظه من الضياع”[2].
ومنذ القدم ارتبط النقاد العرب بالنقد التوثيقي ارتباطا وثيقا وخاصة منذ بداية عهد تدوين التراث العربي أواخر القرن الهجري الثاني، حيث اعترضتهم مشاكل كثيرة تتصل بصحة نصوص هذا التراث وأخباره ومصادره. فقد تساءلوا عن صحة هذه النصوص وصدقها، أو دقة نقلها وضبطها، أو ما يكون قد اعتراها من تصحيف أو تحريف أو نحل وغير ذلك. ومنذ ذلك الحين أدركوا أن الإجابة عن هذه الأسئلة تقع على كاهلهم، فحاولوا البحث عن الإجابات لهذه القضايا الشائكة. وهكذا شكل هذا العمل التطبيقي الأساس السليم لبروز حركة نقدية تعرف بالنقد التوثيقي عند العرب في هذه الفترة، قبل أن تحدد أصوله ومناهجه بشكل علمي في القرن الرابع للهجرة.
البدايات الأولى لتوثيق الشعر العربي:
ارتبطت البدايات الأولى للحركة التوثيقية برواية الشعر العربي القديم. فالشعر الجاهلي – كما نعلم – لم يكن مدونا في معظمه، وإنما تناقله العرب جيلا بعد جيل عن طريق الرواية الشفوية التي استمرت طوال العصر الجاهلي، وشطرا من العصر الإسلامي[3]، الشيء الذي جعله عرضة للتغير والوضع والانتحال بفعل عوامل متعددة منها ما يتصل بالرواية والرواة، ومنها ما يتصل بالعصبيات القبلية والسياسية والمذهبية.
وبعد ذلك، برزت طائفة من العلماء وقَّفُوا أنفسهم على جمع التراث الشعري، ومحاولة تخليصه من الشوائب عبر تحقيقه وتوثيقه، ثم تدوينه في دواوين ومجموعات شعرية. ومن أوائل رواة الشعر نذكر الكوفي حماد الراوية (155هـ)، يقول عنه ابن سلام الجمحي بأنه ” كان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها”[4]، غير أن حماداَ لم يكن موثوقا به لدى بعض معاصريه على الرغم من سعة روايته وكثرة محفوظه، فتضاربت الآراء حوله. قال عنه المفضل الضبي: ” قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدا. فقيل له: وكيف ذلك، أيخطئ في روايته أم يلحن؟ فقال: ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيها، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره، ويحمل عنه ذلك في الآفاق، فتختلط أشعار القدماء، ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك”[5]. وقال عنه أبو عمرو الشيباني: ” ما سأل أبا عمرو بن العلاء قط عن حماد الراوية إلا قدمه على نفسه”[6].
كما تضاربت الآراء حول خلف الأحمر (180هـ). أحد شيوخ البصرة. قال عنه المبرد ” وكان به يضرب المثل في عمل الشعر وكان يعمل على ألسنة الناس فيشبّه كل شعر يقوله بشعر الذي يضعه عليه؛ ثم نسَكَ فكان يختم القرآن في كل يوم وليلة.[7]“. وقال عنه ابن سلام: “اجتمع أصحابنا أنه كان أفْرَس الناس ببيت شعري، وأصدقه لسانا، كُنّا لا نبالي إذا أخذنا عنه خبرا ألا نسمعه من صاحبه”[8].
وعلى الرغم من إعمال بعض الرواة الأوائل على تشويه التراث، واختلاف العلماء حولهم، فإن ذلك لم ينل من الجهود التي بذلها الثقات من الرواة والعلماء بالشعر في توثيق الشعر العربي القديم وتصحيحه وتدوينه. خاصة إذا علمنا الأسباب التي دعت إلى مثل هذه الاتهامات بين الرواة. فقد كانت العصبية متأججة بين البصرة والكوفة، إضافة إلى الخصومات السياسية بين العلماء مثل ما حدث بين المفضل الضبي وحماد الراوية [9].
ونذكر من العلماء الثقات الذين خدموا التراث العربي شيخ البصريين أبا عمرو بن العلاء ( 154هـ) أحد القراء السبعة المشهورين، و” أعلم الناس بالأدب والعربية والقرآن والشعر”[10]، والمفضل الضبي ( 168هـ) شيخ الرواة بالكوفة الذي قال عنه ابن سلام الجمحي :” أعلم من ورد علينا من غير أهل البصرة”[11]، وأبا عمرو الشيباني ( 206هـ)، إضافة إلى أبي عبيدة معمر بن المثنى (210هـ) أحد أئمة علماء الأدب واللغة والشعر وغير ذلك من العلماء.
وقد عمل هؤلاء في ميدان توثيق المادة الأدبية، مستندين في ذلك على ثقافتهم الأدبية الأصيلة وحسهم النقدي، ومعرفتهم بمذاهب الشعراء وأساليبهم. فاعتمدوا الفحص الدقيق، ودونوا ما صحّ من الروايات، وميزوا السليم من الزائف، والصحيح من المنحول، واضعين أسسا تطبيقية لظهور مؤلفات تهتم بوضع قواعد وأركان النقد التوثيقي في الثقافة العربية استنادا إلى مذاهب هؤلاء العلماء في الجمع والفحص والتدوين. ولعل ابن سلام الجمحي أحد تلامذة هؤلاء قد فطن إلى ما لهذا العلم من أهمية فضمن مقدمة كتابه “طبقات فحول الشعراء” خلاصة ما وثّقه أشياخه من قواعد هامة في أصول تحقيق التراث وتوثيقه.
النقد التوثيقي في طبقات ابن سلام الجمحي:
دعا ابن سلام الجمحي في مقدمته النقدية إلى ضرورة توثيق بعض أشعار العرب، مشيرا بذلك إلى موضوع الشعر المنحول المتداول بين الناس في تلك اللحظة التاريخية. فقال[12]: ” وفي الشعر مصنوعٌ مفتعلٌ موضوعٌ كثير لا خيرَ فيه، ولاحُجَّةَ في عربيَّةٍ، ولا أدبٌ يستفاد، ولا معنًى يستخرجُ، ولا مثلٌ يضربُ، ولا مديحٌ رائع، ولا هجاءٌ مقذع، ولا فخرٌ معجِب، ولا نسيبٌ مستطرَف. وقد تداوله قومٌ من كتابٍ إلى كتابٍ، لم يأخذون عن أهل البادية، ولم يعرِضوه على العلماء. وليس لأحدٍ – إذا أجمع أهلُ العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه – أن يقبَل من صحيفةٍ، ولا يُروى عن صُحُفي.ٍّ”
ثم يقول: ” وكان ممَّن أفسدَ الشعرَ وهجَّنَهُ وحملَ كل غُثاءٍ منه، محمد بن إسحاق بن يسار، مولى آل مَخرمة بن المطَّلب بن عبد مناف، وكان من علماء الناس بالسير(…) وكان أكثر علمِه بالمغازي والسير وغير ذلك، فقبل الناس عنه الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر، أُتِينا به فأحمله. ولم يكن له ذلك عُذرًا، فكتبَ في السِّير أشعارَ الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قطُّ، وأشعار النساء فضْلا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عادٍ وثمودَ، فكتب لهم أشعارا كثيرة، وليس بشعر، إنما هو كلام مؤلف معقود بقواف(…) والله تبارك وتعالى يقول: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا)، أي لا بقية لهم، وقال أيضا: (وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى).
هكذا شكل الشعر المنحول أو الموضوع قطب الرحى في مقدمته النقدية. فما معنى الانتحال؟ وما معنى انتحال الشعر؟
جاء في لسان العرب: الانتحال: من نحل ينحُل نحْلاً، يقال” انتحل فلان شعر فلان أو قول إذا ادعاه أنه قائله، وتنحله: ادعاه وهو لغيره، ونحَله القول ينحله نحلا، نسبه إليه…ونحّلتُه القول أنحَلُهُ نحلا (بالفتح) إذا أضفت إليه قولا قاله غيره وادعيتَه عليه…وفلان ينتحل مذهب كذا وقبيلة كذا إذا انتسب إليه، ويقال: نُحِل الشاعر قصيدة إذا نُسِبت إليه وهي من قيل غيره[13].
وبذلك يكون الانتحال ضرب من السرقة، حين يأخذ الشاعر قصيدة أو أبياتا لشاعر وينحلها لنفسه. ومن المفاهيم التي تلتبس بالانتحال مفهوم الادعاء. وفي التفريق بينهما يقول ابن رشيق: ” وإن ادعاه جملة فهو انتحال، ولا يقال منتحل إلا لمن ادعى شعرا لغيره وهو يقول الشعر، وأما إن كان لا يقول الشعر فهو مدّعٍ غير منتحل”[14] . كما أصبحت كلمة الانتحال في كتب البلاغة تدل على النّسخ، يقول القزويني: ” فإن كان المأخوذ كله من غير تغيير لنظمه فهو مذموم مردود، لأنه سرقة محضة، ويسمى نسخا وانتحالا”[15].
قبل دراسة القضايا النقدية الواردة في النص أعلاه، نود الوقوف عند مجموع المصطلحات النقدية الواردة فيه، ومنها:
– مصطلح المصنوع: وهو نقيض المطبوع، والشعر المطبوع في عرف النقاد القدامى ما أتى عفوا وصدر عن الشاعر دون تكلف أو تصنع، أما الذي يجود شعره ويصنعه فهو ضعيف السليقة وبعيد عن الفطرة السليمة. وقد كان ذلك مقياسا نقديا احتكم إليه الرواة في قبول لغة الشعر أو رفضها، فعدوا الصنعة مع الجودة عاملا للطعن، وعدوا الطبع مع الرداءة عاملا للثقة والقبول[16].
– مصطلح الوضع/ الموضوع: عرف هذا المفهوم منذ العصر الجاهلي بمصطلح “الانتحال”، فقد جاء في الشعر عند الأعشى في قوله: فكيف أنا وانتحالي القوا ف بعد المشيب، كفى ذاك عارا
والمنتحل: “هو الذي ادعى شعرا لغيره، وهو يقول الشعر، أما إن كان لا يقول الشعر فهو مدّع، وإن كان الشعر لشاعر حي أخذ منه غلبة فتلك هي الإغارة والغصب”[17] . إضافة إلى ما تدل عليه مصطلحات أخرى تدل على هذه العملية من قبيل: الضم، والزيادة، والإلحاق، والإلصاق، والإضافة…
-لاحجة في عربيـــــــــة: الحجة من الاحتجاج، ويعني بـ : “لاحجة في عربية”، أي أن اللغة الشعرية للشعر الموضوع ليست حجة على فهم غريب القرآن والحديث وإعرابهما، بمعنى أنها موضوعة. ونلتمس هذا الاحتجاج بالشعر في قول ابن عباس رضي الله عنه:” إذا أشكل عليكم شيء من القرآن فالتمسوه في الشعر فإنه عربي”[18]. وذلك ما يقصده ابن قتيبة في قوله:” وكان أكثر قصدي للمشهورين من الشعراء الذين يعرفهم جل أهل الأدب، والذين يَقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب، وفي النحو، وفي كتاب الله عز وجل، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم”[19].
-مصطلح البداوة/ البادية : وهو مقابل الحاضرة، وقد شدد العلماء قديما على أخذ الشعر من أهل البادية لقوته وغرابته وجزالته، ومتانته، ووحشيته، في الوقت الذي استهانوا بالشعر المنفتح على الحاضرة، وذلك ما صرح به أبو عمرو بن العلاء:” لم أر بدويا أقام في الحضر إلا فسد لسانه”[20]. وهذا ما أدى بالعلماء إلى الربط بين حُجّيّة الشاعر وبداوته. يقول الأصمعي:” ذو الرمة حُجّة لأنه بدوي”[21]. أما الشعراء الذين انفتحوا على الحاضرة فقد تم الطعن فيهم وتنحيتهم، ومن ذلك رفض الأصمعي الاحتجاج بأحد أبيات ابن قيس الرقيات (85ه) لأنه في رأيه ” ليس حجة لأن الحضرية أفسدت عليه لغته”[22].
ويرتبط هذا المصطلح بـضابط أساسي من ضوابط النقد التوثيقي وهو السماع، وهو نقد للراوي، أو تجريح له. ذلك أن العلماء يشترطون في قبول الرواية “شرط الضبط والاتقان، وأن يكون الراوي كثير السماع”. يقول ابن قتيبة:” وكل علم محتاج إلى السماع، وأحوجَه إلى ذلك علم الدين ثم الشعر”[23].
– العلمــــــــــــاء: المراد بهم طبقة خاصة متميزة اتخذت الشعر موضوعا للدراسة العلمية، ويكون مدار الدرس على ” ما يلقيه الشيخ من تصحيح لبعض الأخطاء، أو ذكر لوجوه الروايات، أو تفسير لغريب الألفاظ، أو شرح للمعنى العام…”[24]. وتعرف هذه الطبقة عند العرب بعدة ألقاب: أهل العلم، والمشايخ، وأهل النظر، ونقاد الشعر، وأهل العربية. ويتصدر هذه الطبقة من أهل العلم بالشعر طائفة من أعلام العلماء المخطئين: أبو عمرو بن العلاء، الأصمعي، المبرد، أبو عبيدة، يونس بن حبيب، الخليل بن أحمد الفراهدي، المفضل الضبي، الأخفش، ابن الأعرابي، ثعلب، حماد الراوية، الكسائي، ابن دريد… وقد نعت هؤلاء في كتب التراجم بصفة العلم. فقد عُدّ خلف الأحمر مثلا في مراتب النحويين بـــ ” أعلم الناس بالشعر”. وقال عنه ابن قتيبة: ” أعلم الناس بالشعر وأنقدهم له، وأحسن الرواة دينا وثقة”.
كيف تناول ابن سلام الجمحي قضية الشعر المنحول؟
تساءل الجمحي أولا عن أصالة الشعر العربي، مؤكدا على أن هناك أشعارا منحولة متداولة بين الناس يعود تاريخها إلى القرن الأول والثاني للهجرة. فدعا إلى ضرورة توثيقها قبل اعتمادها مصدرا من مصادر التأليف. وهنا يمكن الوقوف عند قاعدتين أساسيتين أشار إليهما في توثيق الشعر، وهي:
1- الرواية عن أهل البادية: فالشعر المصنوع الموضوع كلام منظوم لم يرو عن أهل البادية المعروفين بقوة اللغة والجزالة والمتانة.
2- عرض الشعر على العلماء: فهؤلاء حجة في قبول الشعر أو رده. ولا يمكن لأحد أن يخرج على إجماع هؤلاء العلماء المختصين، فتصحيح الشعر لا يتم إلا بهم.
وفي الوقت نفسه، نقد ابن سلام المتن المدروس (الشعر الموضوع) من الناحية الفنية فبين أن ليس فيه أدب يستفاد، ولا معنى يستخرج، ولا مثل يضرب به؛ فهو شعر ضعيف الجانب الفني، مصنوع مفتعل.
بعد ذلك، اتخذ سيرة ابن إسحاق نموذجا تطبيقيا لهذا النقد التوثيقي، فرأى أن ابن إسحاق قد هجن الشعر وأفسده، حيث أورد في كتابه “السيـــــرة” أشعارا لآناس لم يقولوا شعرا قط، بل أورد أشعارا ترجع إلى قوم عاد وثمود. فأنكر عليه الناقد أن يكون لهذا الشعر صله بمذاهب العرب المعروفة عندهم آنذاك، إنما هو كلام منظوم فحسب، الأمر الذي دفع ابن سلام إلى نفي هذا الشعر ورفضه مثبتا في الوقت نفسه أدلة تؤكد هذا الرفض. ومنها:
- أدلة قرآنية: ومنها الآيات التي تتحدث عن الأمم السابقة/ الغابرة، وانقطاع دابر بعضها. يقول تعالى: “فقطع دابر القوم الذين ظلموا” أي لا بقية لهم، وقوله كذلك:” وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى” فإذا أهلك الله تعالى عاد وثمود فمن حمل هذا الشعر منذ آلاف السنين؟ فالشعر القديم وصل عن طريق الرواية المتواترة. فما دامت الرواية منقطعة أو غير قائمة أصلا، فكيف يمكن قبول هذه المادة الشعرية.
- ـ أدلة تاريخية مرتبطة بأصول اللغة العربية وبلهجاتها المختلفة، وبتاريخ الشعر العربي: ذكر أن بعض العلماء والرواة يرون أن ” أول من تكلم بالعربية ونسي لسان أبيه: إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام”؛ أي أن اللغة العربية لم تكن موجودة في عهد عاد وثمود. ثم إن الشعر الموضوع والمنحول الذي نسبه الرواة إلى قوم عاد لا يمثل لغة عاد، فعاد من اليمن، ولسان اليمنيين يختلف عن هذا اللسان العربي، يقول ابن سلام على لسان أبي عمرو بن العلاء: ” ما لسان حمير وأقاصي اليمن اليوم بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا”. هنا يجب أن نتذكر ما قاله في بداية النص: ” لا حجة في عربية”، أي أن اللغة العربية التي قيل بها هذا الشعر العربي لغة أخرى غير تلك اللغات التي يمكن أن تكون أصلا لها، وإن كانت كلها تسمى العربية. يضاف إلى ذلك أن تاريخ الأدب العربي لا يذهب بالشعر الجاهلي إلى تلك الفترة التاريخية الموغلة في القدم، بل إن ازدهار الشعر لم يكن قبل الإسلام بكثير. فقد قُصِّدت القصائد وطُوِّل الشعر على عهد المطلب وهاشم بن عبد مناف.
ثم يعود ابن سلام الجمحي إلى موضوعه الأساس، فينظر في الأسباب والدواعي التي جعلت العرب تصنع الشعر وتنسبه لأناس لم يقولوه قط. ويرجع ذلك إلى ما يلي[25]:
1 ـ ضياع معظم هذا الشعر بسبب عدم تدوينه في كتب أو صحف في و قته .قال ابن سلام، قال أبو عمرو بن العلاء:” ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقلُّه، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير”.
2 – انقطاع العرب عن رواية الشعر بسبب انشغالهم بالدعوة الإسلامية والجهاد والغزوات، ومقتل عدد كبير من رواة الشعر، يقول ابن سلام:” فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم…فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب بالأمصار…” .
3 – دور العصبيات القبلية في وضع الشعر ونحله: إذ حاولت بعض القبائل أن تضيف لأسلافها ضروبا من المكانة والمجد، فوجدت في الشعر ضالتها، يقول الناقد:” فلما راجعت العرب رواية الشعر، وذكر أيامها و مآثرها استقل بعض العشائر شعر شعرائهم…..فقالوا على ألسن شعرائهم” .
4 – دور الرواة في نحل الأشعار: لم يقتصر دور بعض الرواة على وضع الشعر ونسبته إلى غير قائله كما يقول ابن سلام:” ثم كانت الرواة فزادوا في الأشعار التي قيلت”، بل تجاوزوا ذلك بكثير إلى التزييف والخلط من ذلك ما يفعله حماد الراوية كما يقول ابن سلام:” كان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار” .
وفي هذا السياق، أورد ابن سلام عدة أخبار حول أساليب الرواة في نحل الأشعار والدوافع التي أدت إلى ذلك، كما أشار إلى الاختلاف الذي يحصل بين الناس والرواة، قائلا:” إذ اختلف الرواة، فقالوا بآرائهم، وقالت العشائر بأهوائها” .
وعلى الرغم من ذلك كله، فقد حاول ابن سلام إشاعة الثقة بالشعر العربي القديم بمقدار ما أشاع فيه من الشك قائلا: ” وليس يشكل على أهل العلم زيادة الرواة و لا ما وضعوا، ولا ما وضع المولدون وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل البادية من ولد الشعراء، أو الرجل ليس من ولدهم فيشكل ذلك بعض الإشكال”.
وفي هذا السياق، يشير ابن سلام الجمحي إلى العالم الذي يختص بموضوع الانتحال. إنه الناقد المتخصص. فما هي شروطه، أو مؤهلاته؟
يقول ابن سلام :” وليس يشكل على أهل العلم زيادة الرواة ولا ما وضعوا”[26].
ويقول أيضا:” وليس لأحد إذا اجتمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه أن يقبل من صحيفة ولا يروى عن صحفي”[27] .
هذه النصوص توضح أن الناقد مطالب في جانب من جوانب مهمته بالكشف عن صحيح الشعر من منحوله، وذلك لا يتحقق إلا بعد الفحص والنظر عن أهل العلم. هكذا أكد في مواضع كثيرة من كتابه على ضرورة وجود الناقد المتخصص. ومن هذا المنطلق أصبح النقد تخصصا قائما بذاته عند ابن سلام الجمحي. يقول: ” وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم، كسائر أصناف العلم والصناعات: منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان…..”[28] بل أنه أقام الحجة على من أنكر ذلك في مقولة خلف الأحمر لمن أنكر دور التخصص في الموضوع:” وقال قائل لخلف: إذا سمعت أنا الشعر أستحسنه فما أبالي ما قلت أنت فيه وأصحابك”[29].
يضاف إلى ذلك إشارته إلى الأخطاء التي تصدر عن غير المختصين الذين يتصدون للشعر وروايته في قوله:” وجدنا رواة العلم يغلطون في الشعر، ولا يضبط الشعر إلا أهله” [30].
فالصناعة، هنا، هي العلم المتعلق بكيفية العمل، أي طريقة العمل التي تقتضي حذقا وخبرة. واستعمال لفظ الصناعة بمفهومها النقدي عند ابن سلام تعني ما يحتاج إليه ناقد الشعر ومؤرخه من ثقافة واطلاع على مختلف المعارف التي تتصل بالشعر والشعراء ليكون قادرا على نقد الشعر وتمييز صحيحه من منحوله. فالشروط التي يجب أن تتوفر في الناقد هي:
1ــ الاستعداد الفطري الطبيعي؛
2- الدربة والممارسة النقدية؛
3- الذوق الفني.
إنها مقاييس ذاتية وموضوعية توضح صورة النقد الأدبي عند العرب منذ نشأته إلى أوائل القرن الثالث للهجرة، والتي كان لها أثر في توجيه النقد عند العرب فيما بعد.
أسباب ودواعي الانتحال:
يرجع ابن سلام الأسباب والدواعي التي جعلت العرب تصنع الشعر وتنسبه لأناس لم يقولوه إلى ما يلي:
- ضياع معظم هذا الشعر بسبب عدم تدوينه في كتب أو صحف في وقته: قال أبو عمرو بن العلاء:” ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقلُّه، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير”[31].
- انقطاع العرب عن رواية الشعر: وسببه انشغالهم بالدعوة الإسلامية والجهاد والغزوات، ومقتل عدد كبير من رواة الشعر، يقول ابن سلام:” فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم…فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح ، واطمأنت العرب بالأمصار….”[32].
- دور العصبيات القبلية في وضع الشعر ونحله: إذ حاولت بعض القبائل أن تضيف لأسلافها ضروبا من المكانة والمجد، فوجدت في الشعر ضالتها، يقول الناقد:” فلما راجعت العرب رواية الشعر، وذكر أيامها و مآثرها استقل بعض العشائر شعر شعرائهم…..فقالوا على ألسن شعرائهم”[33]..
- دور الرواة في نحل الأشعار: لم يقتصر دور بعض الرواة على وضع الشعر ونسبته إلى غير قائله كما يقول ابن سلام:” فزادوا في الأشعار التي قيلت”[34]، بل تجاوزوا ذلك بكثير إلى التزييف والخلط، من ذلك ما يفعله حماد الراوية الذي” كان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار”[35]. كما أورد ابن سلام في كتابه عدة أخبار حول أساليب الرواة في نحل الأشعار والدوافع التي أدت إلى ذلك، وإلى الاختلاف الذي يحصل بين الناس والرواة، قائلا:” إذ اختلف الرواة، فقالوا بآرائهم، وقالت العشائر بأهوائــــها”[36].
وعلى الرغم من ذلك كله، فقد حاول ابن سلام إشاعة الثقة بالشعر العربي القديم بمقدار ما أشاع فيه من الشك قائلا:” وليس يشكل على أهل العلم زيادة الرواة ولا ما وضعوا، ولا ما وضع المولدون وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل البادية من ولد الشعراء، أو الرجل ليس من ولدهم فيشكل ذلك بعض الإشكال”[37].
ابن المعــــــــتز ومدرسة البديع
معنى البديع:
البديع لغة: يعني الجديد، والجميل، والناذر، ولكنه في معناه النقدي أو الاصطلاحي كلمة أطلقت على أسلوب الصنعة الشعرية التي ازدهرت في النصف الثاني من القرن الثاني للهجري، وهي صنعة تتلخص في أن الشعراء العباسيين أخذوا ينظمون قصائدهم استنادا إلى صيغ تعبيرية مقتبسة من القرآن الكريم ومن الشعر القديم فكثرت في أشعارهم ودلت على مذهبهم.
يقول ابن رشيق:” والفرق بين الاختراع والابداع- وإن كان معناهما في العربية واحدا- أن الاختراع: خلق المعاني التي لم يسبق إليها، والإتيان بما لم يكن منها قط، والإبداع إتيان الشاعر بالمعنى المستظرف، والذي لم تجر العادة بمثله، ثم لزمته هذه التسمية حتى قيل له بديع، وإن كثر وتكرر، فصار الاختراع للمعنى والابداع للفظ ؛ فإذا تم للشاعر أن يأتي بمعنى مخترع في لفظ بديع فقد استولى على الأمد وحاز قصب السبق”[38].
إذا نحن تأملنا أشعار القدماء سنجد ألوانا من الصيغ البديعية بحسب مفهومها عند النقاد العرب القدماء ذلك أنهم استعملوا الاستعارة والتجنيس والمطابقة والتشبيه، وهذا ما يجعلنا نطرح إشكالا جديدا نتساءل ضمنه عن الفرق بين البديع عند الجاهليين والإسلاميين وبينه عند المحدثين.
إننا إذا فهمنا البديع باعتباره ظواهر مفردة وموزعة عبر مساحة النص الشعري فإننا لا نستطيع أن نتمثل الفروق الجوهرية بين استعماله عند القدماء واستعماله عند المحدثين، ولكننا نستطيع أن نميز بين البديع عند القدماء والبديع عند المحدثين على أساس أن هذا المصطلح أصبح يدل في العصر العباسي على مدرسة شعرية ذات جذور جاهلية وإسلامية، ولكنها متميزة عن هذه الجذور بشكلها الفني الجميل، وهو ما يجعلنا نثير تساؤلا جوهريا عن هذا الجديد عند شعراء البديع.
يقول ابن رشيق في رواد هذه المدرسة: ” وأول من فتق البديع من المحدثين بشار بن برد، وابن هرمة…ثم أتبعهما مقتديا بهما كلثوم بن عمرو العتّابي، ومنصور النميري، ومسلم بن الوليد، وأبو نواس، وأتبع هؤلاء حبيب الطائي،[39] و الوليد البحتري، وعبد الله بن المعتز، فانتهى علم البديع والصنعة إليه، وختم به”[40].
نماذج بديعية تمثيلية للمقارنة بين القدماء والمحدثين:
التشبيــــــــــــه:
قال امرؤ القيس:
كأنّ قلوبَ الطّيرِ رطبًا ويابسًا لَدى وُكرِها العُنّابَ والحشَفَ البَالي
وقال أيضا:
سَموتُ إليها بَعْدَ ما نَامَ أهلُها سُمُوَّ حَبَابِ الماءِ حالًا على حالٍ
هذا تشبيه يدخل عند البلاغين ضمن ما يسمى تشبيه حال بحال. وهو لا يخرج عن القاعدة العامة عند القدماء وهي نقل الأغمض إلى الأوضح، إذ أنه قد شبه في البيت الثاني حال سموه إلى حبيبته متخفيا غير مثير لأي ضجيج أو صوت بحال حَباب الماء الذي يصعد بعضه فوق بعض دون أن يثير السمع أو البصر.
وهكذا فظواهر البديع عند القدماء من جاهليين وإسلاميين صيغ جزئية غير ممتزجة بجوهر العمل الإبداعي، وأنها كذلك مرتبطة بالمستوى الحسي الإدراكي البسيطين اللذين يمنعانها مما يمكن أن نسميه بالتأثير النفسي والتخيلي البعيدين إلى انفعال المتلقي.
وكذلك الاستعارات المستعملة تكون قريبة المأخذ، لا تحتاج إلى تأمل أو بعد نظر كي ندرك أبعادها التصويرية الأخرى. وقد نتج ذلك من أنها استعملت استعمالا حسيا يرتبط بالمعاني الحرفية للكلمات أكثر مما يرتبط بالمعاني المصاحبة، أو بظلال المعاني.
قال امرؤ القيس: وقد أغتدي والطّيرُ في وُكناتها بمُنجلِد قَيْدِ الأوابِـِد هَيْكَـــلِ
و قال زهير: ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ما كذب الليث عن أقرانه صدقا
ونقارن هذين البيتين بقول بشار:
قال بشار بن برد:
كأن مُثارَ النّقع فَوْق رُؤوسِنا وأسيَافنا ليْلٌ تَهاوَى كَواكِبُه
نلاحظ أن تشبيه بشار ينقل المستوى الحسي للأشياء إلى مستوى ما تثيره في النفس من إحساس وانفعال تخييليين، فالصورة لاتقف عند حدود تشبيه الغبار الذي تثيره حوافر الخيل بالليل المظلم، والسيوف المختلطة في الحرب بالكواكب المتهاوية، وإنما تمتد بعد امتزاج عناصرها امتزاجا كليا إلى ما تثيره في أنفسنا الكواكب المتهاوية وسط الليل والظلمة، وكل ذلك يخدم المعنى الذي أراده الشاعر وهو الإفراط في وصف هذه الحرب لأنها حرب ضروس كأنها مشهد من مشاهد فناء العالم.
اَلسيفُ أصدقُ أنباءً مِن الكُتبِ في حَدِّهِ الْحَدُّ بينَ الجِدِّ واللّعِبِ
فالصيغة البديعية، هنا، لا تنعكس في مستوى الكلمة المفردة، وإنما تمتد لتشمل العبارة الشعرية قد تتكون من كلمتين أو أكثر. وهي عبارة عن عناصر تمتزج امتزاجا تركيبيا ودلاليا، مثل: (في حده الحد) فهو جناس تام، ولكن إذا تمعنا في هذا الجناس نجده نوع جديد لم نعهده عند القدماء، إذ أن الحد الأول لا يمكن أن ينفصل في مستوى الدلالة عن الحد الثاني، لأن حد السيف هو نفسه الحد الفاصل بين الجد واللعب. والشيء نفسه بالنسبة للمطابقة بين “الجد” و”اللعب”. فالظاهرة البديعية فيما يخص هاتين الكلمتين مؤلفة من ظاهرتين اثنتين غير منفصلتين: الطباق أولا، واستعارة الجد لما تحققه السيوف من انتصار وفتح، ثم استعارة اللعب لأوهام المنجمين وكتاباتهم ثانيا؛ ولذلك فإن الجد مرتبط باللعب في مستويين اثنين:
- مستوى التركيب البديعي بينهما
- مستوى المعنى التخيلي الذي يتوسل إليه أبو تمام عبر الاستعارتين.
مساهمة ابن المعتز في الدرس البياني من خلال كتاب” البديع”
قد يظن البعض عند سماع هذا العنوان أن الكتاب وضع في فنون البديع كما يصطلح عليه في كتب البلاغة المتأخرة مثل مفتاح العلوم، بل إن الكتاب في جوهره دراسة لفنون البلاغة بصفة عامة، فقد تحدث فيه عن التشبيه والاستعارة والكناية…وهي فنون بلاغية وليست بديعية.
تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه الأول من نوعه في حقل التأليف البياني المتخصص في تاريخ البلاغة العربية بعد ما كان التأليف في هذا الشأن إشارات بسيطة جزئية في بطون المؤلفات الإخبارية أو الأدبية.
فما الغاية من تأليف الكتاب؟
يحدثنا ابن المعتز و هو يقول: ” وإنما غرضنا من هذا الكتاب تعريف الناس أن المحدثين لم يسبقوا المتقدمين إلى شيء من أبواب البديع”[41]. وهذا اعتراف بأن القدماء قد سبقوا إلى البديع كما جاء في أشعارهم، كما وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية، وفي كلام الصحابة. ونفهم من هذا أن القدماء قد سبقوا إلى هذه الظواهر ، لكنهم لم يكثروا فيها، كما هو الشأن عند المحدثين، فسَبْقُ القدماء كان من الناحية الزمنية، أما سبق المحدثين فكان استعماليا وكميا.
إن الغاية المصرح بها في تأليف الكتاب تحتاج إلى توضيح، مما يفرض إثارة سؤال آخر هو: ما هي الخلفيات الحضارية وراء إنتاج هذا المؤلف؟
وهذا يفرض الحديث عن السياق التاريخي والثقافي لظهور الكتاب. إنه الصراع الحضاري الذي كان سائدا في هذه الفترة بين القدماء والمحدثين. ففي الوقت الذي كانت طائفة من الأدباء والمثقفين من اللغويين والرواة…والتي تحاول الحفاظ على ماخلّفه القدماء، وتمجد إنجازاتهم في ميدان الأدب والنقد هناك طائفة أخرى تميل إلى التطور والتجديد. وهذا صراع حيوي بين القدم والحداثة يبين تجدد الحياة وتطور المقاييس البشرية.
ولاشك أن أول من أحس بخطورة هذه الوضعية الحضارية في تاريخ النقد العربي هو الجاحظ (225هـ)، حيث ظل يدافع عنها في مختلف كتاباته ضد النزعات الدخيلة التي حاولت الطعن في أصالته، من دعوات الشعوبية…وبذلك ظلت كتاباته محكومة في العمق بهذه النزعة الدفاعية عن العنصر العربي ومقوماته اللغوية والبيانية.
ومن هذه القضايا مثلا قضية اللفظ والمعنى، فالجاحظ يذهب إلى أن المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها الجميع، وإنما التفاضل مناطه الصياغة والتصوير، لينتهي بعد ذلك إلى تقرير اختصاص العنصر العربي بالتصرف في اللفظ والصياغة، وبذلك يتميز هذا العنصر عن العناصر الأخرى.
هذا ويعتبر كتاب “البديع” من أهم الأعمال الأدبية لابن المعتز والتي وضعت أسس نظرية حول التجديد في الشعر العربي في تلك المرحلة[42]. وفي هذا الصدد يؤكد المستشرق الروسي، كراتشكوفسكي، محقق كتاب البديع، “بأن نظرية نقد الشعر عند العرب لم تكن متأثرة في نشأتها لا بالهنود ولا بالفرس ولا باليونان”[43]. حيث يرى بأن هذا العلم الذي أتى به ابن المعتز عربي المنشأ وينطلق من طبيعة وخصائص اللغة العربية التي تختلف عن اللغات اليونانية والأوربية[44].
- سياق تأليف كتاب “البديع” ومساهمته في نقد الشعر عند العرب
نشير هنا أن النقد اللغوي هو السائد في بداية التأليف النقدي عند العرب، بل كثر أنصاره الذائدين عنه في الوسط العربي. ويقوم هذا النقد على النقط الآتية:
- النظر إلى النص الشعري كمعطى لغوي، دون النظر إليه من الناحية الجمالية،
- الإيمان المطلق بمقاييس الشعر القديم على مستوى ألفاظه ومعانيه،
- التنويه بكل ما يتصل بالقديم.
في إطار هذه التقاليد النقدية والشعرية التي تُمجّد القيم التعبيرية القديمة، ظهر كتاب “البديع” لابن المعتز، ليعلن ثورته على هذا التيار المناصر للقديم لا على القدماء، وليدافع عن الشعراء المحدثين الذين بدأوا يتجاوزون الوضع الشعري القديم ويستشرفون آفاق مستقبل شعري. وهكذا انضم ابن المعتز إلى هذه الطائفة. و يمكن معالجة هذه الثورة عبر مستويات:
- الثورة على أنصار القديم لا القدماء
من خلال المقدمة تظهر ثورته على أصحاب النظر القديم، الذين نظروا في شعر المحدثين فوجدوا فيه “البديع”، أي تطورا في اللغة الشعرية من مستوى الطبع إلى مستوى التكلف والابتداع، فوصفوهم بالسخف وسفهوا شعرهم. ووضعوه في المنزلة الدنيا.
ولكي يفند ابن المعتز رأي هؤلاء النقاد اللغويين المتحاملين عمد إلى تقرير حقيقة مفادها أن ما سماه هؤلاء بديعا وسخفا في شعر المحدثين، وجد له بعض الأثر في أشعار القدماء، وإن كان الغالب عليهم الاقتصاد في ركوب هذه الظواهر. فقد أعطى أمثلة واقعية من الشعر القديم. ثم قرر أن المحدثين اهتموا بالبديع وذهبوا فيه مذاهب من المبالغة، الشيء الذي أدى إلى كثرة هذه الظواهر في أشعارهم مقارنة بالشعراء الآخرين. كما بين أن المحدثين قد اختلفوا في درجات التعاطي لهذه الظواهر، فجيل بشار ومسلم ركبوا البديع أكثر من القدماء، ولكنهم لم يصلوا إلى درجة الإسراف الذي نجده عند أبي تمام وجيله.
- رد الاعتبار لشعرية المحدثين
ابن المعتز لم يرم باللائمة على القدماء، ولم يطعن في شعر المحدثين، وإنما بين فقط الفرق بين الاتجاهين من موقع استعمالهما للبديع. وهو بذلك يقتص للمحدثين من المتعصبين للقديم، الذين سلبوهم كل شرف في الشعر، ويرد الاعتبار لهذه اللغة الشعرية التي بدأت تتفشى في عصره.
وعبد الله المعتز لا يُخفي تذمره من أبي تمام في شأن إسرافه الشديد في البديع، فقد قال عنه في المقدمة:” شغف به حتى غلب عليه، وتفرع فيه، وأكثر منه، فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض…وتلك عقبى الإفراط وثمرة الإسراف”.
- التصريح بانضمامه إلى طريقة المحدثين في القول الشعري
يتبين أن ابن المعتز بعد أن حدد بداية الشعر المحدث، ووضع بشار بن برد على رأسه، تحدث بشكل يوضح تحمسه للشعر المحدث، بل اعترافه به وانضمامه إليه. فهو شاعر ينتمي إلى عصر ظهرت فيه هذه اللغة الشعرية الجديدة. تأثر في شعره بها في إيجابياتها وسلبياتها، فراح يدافع عن الشعراء المحدثين في أفق ترسيخ دعائم مذهبهم.
هذا جانب أول فيما يتعلق بثورة ابن المعتز، وفيها القضايا الثلاث التي عالجناها. أما الجانب الثاني فيتعلق بالجانب المنهجي، ويتناول قضيتين اثنتين، وهما:
- التجديد في الموضوع ( البديع): يضع محمد منذور ابن المعتز على رأس التأليف المنهجي في النقد الأدبي عند العرب. هذا القول لا يعني أن ابن المعتز هو أول من تحدث عن قضايا البيان والبديع في تاريخ النقد والبلاغة العربيين. ذلك أن هناك كتبا ألفت قبل ابن المعتز.
فما هو الجديد عنده؟
- الجديد عنده يكمن في جمعه مباحث البيان والبلاغة وضمها في مؤلف واحد، أفرده لهذه الغاية، ولم يدخل في ثنايا دراسته مباحث حول الأخبار أو التاريخ… على غرار ما كان عليه التأليف فيما سبق، كما هو الشأن في كتاب الجاحظ” البيان والتبيين”.
- ” والبديع لغة – كما فهمه ابن المعتز- هو الجديد. والبديع في الشعر هو الجديد في الشعر المحدث من تقنيات تعبيرية وأدوات بيانية اتبعها المحدثون في اشعارهم.”
- وابن المعتز من خلال دراسته للبديع حاول أن يحيط بمختلف الظواهر الأسلوبية التي كانت تشكل مستويات اللغة الشعرية العربية، وخاصة ذلك النمط الذي عرف الانتشار في أوساط الشعراء المحدثين، وسائر الظواهر التعبيرية التي وجدها في المتن الذي جمعه ودرسه.
- التجديد في منهجية التناول:
يتضح ذلك في ملمحين بارزين: أولا: تقسيم موضوع البديع إلى أقسام، ثانيا: معالجة كل قسم من خلال دراسته.
- التقسيم المعتمد من الناحية المنهجية ينم عن حصر لعناصر الموضوع، وحصر لمجال الظاهرة. وأقسامه عنده خمسة وهي: الاستعارة، والتجنيس، والمطابقة، ورد الأعجاز على الصدور، والمذهب الكلامي. وأضاف إليها ألوانا أخرى سماها محسنات…
- معالجة الموضوعات كلها وفق خطة منهجية واحدة تقوم على ما يلي:
- تعريف النوع البديعي المراد دراسته تعريفا أدبيا،
- إعطاء أمثلة لهذا النوع البديعي من القرآن الكريم، ما لم يكم كلام الله منزها عنه، (مثل المذهب الكلامي، لأنه يدل على التكلف، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا…ص 53، تح كراتشوفسكي)
- التدليل بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، بعد إسقاط اسانيدها، (لطولها الذي يزيد من حجم الكتاب)
- التدليل على ذلك بكلام الصحابة،
- التدليل على ذلك بأمثلة من الشعر العربي، بدءا بالشعر القديم وانتهاء بالشعر المحدث،
- إيراد المعيب من ذلك النوع البديعي المدروس، لكي يتجنب الشعراء الوقوع فيه،
بعد الانتهاء من دراسة الأنواع البديعية الخمسة، الأساسية، انتقل إلى ما سماه بمحاسن الشعر ومحسناته، وهي ظواهر فنية صادفها في الشعر العربي، وقد ألحقها بالخمسة الأولى، وهي ثلاثة عشر: الاكتفاء والإعراض وحسن الخروج والرجوع وتأكيد المدح بما يشبه الذم وتجاهل المعارف والهزل وحسن التضمينن والتعريض والكناية والافراط في الصفة وحسن التشبيه وإعنات الشاعر نفسه في القوافي وحسن الابتداء.
ويشير ابن المعتز إلى أنه أول من ألف في موضوع البديع في تاريخ الأدب العربي، فقد نفى عن العلماء السابقين العلم بهذا الموضوع قائلا:” فأما العلماء باللغة والشعر القديم، فلا يعرفون هذا الاسم ولا يدرون ما هو. وما جمع فنون البديع ولا سبقني إليه أحد، وألفته سنة أربع وسبعين و مائتين” [45].
كما فطن ابن المعتز إلى الذين سيأتون بعده، إنما سيدورون في فلك تعابيره النقدية. وسيتوارثون ويتداولون مصطلحاته البديعية والبيانية التي وضعها. وفعلا فقد أثر ابن المعتز على ما بعده من أدباء و نقاد الشعر مثل الرماني والخوارزمي، والحاتمي، وأبي هلال العسكري، وابن رشيق، وابن سنان الخفاجي، و السكاكي… يقول كراتشكوفسكي:” إذا لعب أرسطو دورا هاما في وضع أسس النقد الأدبي ونقد الشعر وبعض المصطلحات وفنون البلاغة وظلت قائمة وصالحة على مدى القرون الممتدة من أيامه لليوم، فإن ابن المعتز في بديعه يمثل نفس الصورة بالنسبة لفنون البديع ونقد الأدب والشعر العربي”[46].
هكذا يُعدّ عبد الله بن المعتز رائدا في التأليف البلاغي المنهجي في الثقافة العربية.
نظرية عمود الشعـــــر
عمود الشعر لغـــــة: العمود هو الخشبة التي يقوم عليها البيت أو الخباء، وتكون في الوسط، والجمع أعمدة وعُمُد. وعمود الأمر قوامه لذي لا يستقيم إلا به، والعميد هو السيد المعتمد عليه في الأمور[47]. قالت أخت حجر بن عدي الكندي( عمة امرئ القيس) ترثي حجرا:
فإن تَهلِك فكُلّ عَمُود قَوْمٍ مِنَ الدُّنيا إلى هُلْكٍ يَصيرُ
فالعمود في اللغة بذلك ما به قَوام البيت والخباء، ومن عليه المعتمد في قومه، وما به تنهض أمور الحياة.
أما اصطلاحا فهو: مجموعة من التقاليد المتوارثة التي سبق إليها الشعراء الأولون (لا ما أحدثه المولدون والمتأخرون)، وأخذها من جاء بعدهم حتى صارت سنة متبعة. إنه المعيار النقدي الذي يُفاضل به بين الشعراء، أو هو قواعد الشعر التي يحكم للشاعر أو عليه بمقتضاها.
- الآمدي وعمود الشعر
تتبع الدارسون هذا المصطلح في التراث النقدي فرأوا بأن الآمدي أول من استعمله في كتابه”الموازنة بين أبي تمام والبحتري”، وبذلك يرجع له الفضل في الإسهام في تأسيسه وتأصيله. لكن من أين استمد هذا المصطلح؟
إذا نظرنا في التراث النقدي قبل الآمدي نجد أن مصطلح “عمود الخطابة” قد ورد عند الجاحظ في كتابه البيان والتبيّن، يقول: ” سمعت أبا داود بن جرير يقول: رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، وجناحاها رواية الكلام، وحليها الأعراب”. ولعل الآمدي استوحى هذا المصطلح من الجاحظ فوظفه في ميدان الشعر.
لقد صرح الآمدي في كتابه” الموازنة بين أبي تمام والبحتري” بلفظ عمود الشعر عدة مرات باعتباره شيئا متعارفا ومتداولا بين الناس، ولم يحدده باعتباره مفهوما، بل إنه لم يحدد عناصره بالشكل الدقيق، وإنما يمكن استنتاج ذلك من خلال تصوره لطريقة الشعر عند العرب. يقول في طريقة العرب في نظم الشعر:” وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التّأتي، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله، وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له، وغير منافرة لمعناه، فإن الكلام لا يكتسي البهاء والرونق إلا إذا كان بهذا الوصف، وتلك طريقة البحتري”[48].
ونَصَّ الآمدي بهذا اللفظ (العمود) على أن البحتري قد التزم هذا العمود ولم يخرج عليه، فقال:” أن البحتري كان أعربي الشعر، مطبوع، وعلى مذهب الأوائل، وما فارق عمود الشعر المعروف، وكان يتجنب التعقيد ومستكره الألفاظ ووحشي الكلام”[49]. قال البحتري عندما سئل عن نفسه وعن أبي تمام:” كان أخوص على المعاني مني، وأنا أقْوَمُ بعمود الشعر منه”[50].
ويَرِدُ مصطلح عمود الشعر في موضع آخر من الكتاب وهو يقول:” وحصل للبحتري أنه ما فارق عمود الشعر وطريقته المعهودة مع ما نجده كثيرا في شعره من الاستعارة والتجنيس والمطابقة، وانفرد بحسن العبارة وحلاوة الألفاظ وصحة المعاني”[51]. أي أن عمود الشعر ليس من عناصره البيان والبديع، وإن كان هذان لا يخلان به؛ كما أنه لا يقتضي، بالضرورة، حسن العبارة وحلاوة الألفاظ وصحة المعاني. فالآمدي، هنا، يقبل الصنعة في عمود البحتري ما دامت في حدود مقبولة، لا تبلغ الإفراط الزائد، ولا تصل إلى التكلف المذموم.
يحدد الآمدي عمود الشعر انطلاقا من الصفات السلبية التي رآها في شعر أبي تمام، فقد أورد ما تورط فيه من التعقيد، ومن ألفاظ مستكرهة، وكلام وحشي، واستكراه في المعاني، أي أنه ينتصر للبحتري لأنه في نظره التزم بتقليد أساليب القدماء في الشعر من حيث الأسلوب ( ألفاظ سهلة، فيها ألفة، وليس فيها حوشية، وليست غريبة، إضافة إلى سلامة السبك، وجودة الرصف، وحسن اختيار الألفاظ) ومن حيث المعاني، والأخيلة والصور( مثل أن تكون الاستعارة مستحسنة، وتكون العلاقة فيها بين المشبه والمشبه به واضحة، ويكون وجه الشبه الذي يربط بينهما جليا وواضحا).
- الجرجاني وعمود الشعر
قال الجرجاني في الوساطة:” وكانت العرب إنما تفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن بشرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، وتُسَلّم السَّبْق فيه لمن وصف فأصاب، وشبّه فقارب، وبَدَهَ فأغزر، ولمن كثرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته؛ ولم تكن تعبأ بالتجنيس، والمطابقة، ولاتحفل بالإبداع، والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر، ونظام القريض”[52].
تتحدد نظرية عمود الشعر عند الجرجاني بعناصر ثلاثة وهي:
- عناصر بنائية:
- شرف المعنى: لم يحدد الجرجاني هذا المفهوم، ولكنه يمكن استنتاج معناه من خلال استعراضه لعيوب المعاني في كتابه الوساطة. وشرف المعنى أي سموه ولياقته بحسب مقتضى الحال، وفي هذا الصدد ينتقد معاني أبي نواس بالغثاثة وسقط المعنى، كما ينتقد أبا تمام بأنه يجعل ممدوحه تارة دلوا وتارة محراثا، وتارة شيطانا رجيما.
- صحة المعنى: أي أن يشتمل على صحة منطقية، وأن يتماشى مع شرف المعنى. ويظهر ذلك في وقوف الجرجاني عن عيوب في المعاني، مثل عدم انطباقها على المشاهدة، والرواية، والغلط والفساد.[53]..
- جزالة اللفظ: صفة لأسلوب متين لا هو بالضعيف الركيك ولا بالغريب المعقد، يقع في الوسط، وقد حدده الجرجاني قائلا: “ما ارتفع عن الساقط السوقي، وانحط عن البدوي الوحشي”. وهو نوع تألفه الأذن فلا يكون بعيدا عنها ولا غريبا، ويتجنب فيه التنافر بين الألفاظ (حتى لا تقع في التنافر)، والإساءة في ترتيب الجمل ( حتى لا يغيب المعنى).
يعلق الجرجاني على هذا اللفظ السهل قائلا:” ومتى سمعتني أختار للمحدث هذا الاختيار وأبعثه على الطبع وأُحَسِّنُ له التسهيل، فلا تَظننَّ أني أريد بالسَّمح السهلَ الضعيف الركيك، ولا باللطيف الرشيق الخَنِثَ المؤنث، بل أريد النمط الوسط، ما ارتفع عن الساقط السوقي، وما انحط عن البدوي الوحشي”[54].
- استقامة اللفظ: ويقصد به الدقة في أداء المعنى، ويتميز بسهولته وبإيحائه، ولا يكون حشوا في البيت، إذ لابد أن يضيف معنى ما، ويكون واضحا، حتى لا يقع فيه التباس. ثم يكون منسجما مع القواعد القياسية في النحو.
تقابل : جزالة اللفظ ==== شرف المعنى استقامة اللفظ ==== صحة أداء المعنى
- عناصر جمالية:
- الإصابة في الوصف: الوصف نوعان: وصف خارجي، ووصفللأحاسيس والمشاعر. والوصف عند النقاد هو محاكاة وتمثيل لفظي للشيء الموصوف، بإيراد أكثر معانيه، ووجوهه، وجوانبه. مثل وصف الطبيعة عند البحتري، أو وصف الصبابة لدى الشاعر العاشق المتيم…
- المقاربة في التشبيه:
نلاحظ أن الجرجاني في كتابه يدمج الوصف بالتشبيه، ويفهم من حديثه عن التشبيه أنه لا يهتم بالتفاصيل الحسية أو الدقيقة في التشبيه:” وليس على الشاعر إذا بالغ في وصف أن ينتهي إلى الغاية، ولايترك في الإفراط مذهبا”[55].
وقد أورد الجرجاني ضوابط للتشبيه، وهي تتمة لعنصري الإصابة في الوصف والمقاربة في التشبيه في كتابه في الصفحات: من 474 إلى 478.
- عناصر إنتاجية:
- البديهة الغزيرة/ غزارة البديهة: وهذا دليل على فحولة الشاعر، وأصل مصطلح الفحولة يدل على:
ــ غلبة صفة الشعر على كل الصفات الأخرى في المرء،
ــ عدد غير معين من القصائد الجيدة.
قال الجاحظ“: وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ومكابدة ولا إجالة فكر ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام و…، فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب وإلى العمود الذي إليه يقصد فتأتيه المعاني أرسالا، وتنثال عليه الألفاظ انثيالا”[56]
وإذا توفرت لدى الشاعر غزارة البديهة تعددت موضوعاته، فجاءته المعاني أفواجا وصبت عليه الألفاظ انصبابا. وكانت نتيجة ذلك تعدد الأمثال والأبيات. وغزارة البديهة دليل على قوة الشاعر، حيث يتفاعل بسرعة مع كل المؤثرات، وتتعدد بالتالي موضوعاته.
- كثرة الأمثال والأبيات الشاردة: وهذا العنصر مرتبط بالأول أشد الارتباط. والبيت الشارد أو ما يسمى بالفرادة في المعنى، وهو معنى يعبر عنه في البيت الواحد تعبيرا مستقلا يختزل المعنى والتجربة، ولا يتعلق بغيره.
ونخلص مما يبق إلى ما يلي:
ــــ خصائص عمود الشعر كانت مستمدة من الشعر القديم، فالآمدي مثّلها وطبّقها على البحتري وأبي تمام، واتخذ البحتري نموذجا للشعراء القدماء. ولم يعمد إلى تحديد مصطلح عمود الشعر ،
ـــ لم يتهم الجرجاني أبا تمام بالخروج عن عمود الشعر، وبذلك تكون معالجة قضية عمود الشعر عنده أوسع مما جاء عند الآمدي، فهي صالحة لكل عصر و زمان، بحيث يمكن تطبيقها على كل شعر وكل شاعر،
ـــ خصائص عمود الشعر عند الجرجاني تمثل المفاضلة بين الشعراء بشكل عام، فهي تتوافر في الشعر الجيد، كان قديما أو كان حديثا.
ـــ الجرجاني يعارض العودة إلى الألفاظ البدوية ويرى فيها تكلفا يطمس المحاسن، ويقترح تبني “النمط الأوسط” الذي يوفق بين التراث والتطور، بين عمود الشعر والبيئة الجديدة، فاستطاع بذلك أن يعترض على تفاوت أسلوب أبي نواس بين الجزالة والغثاثة، وعلى تكلف أبي تمام للأسلوب البدوي في بيئة حضرية، دون أن يجعل الشاعرين خارجين على عمود الشعر .[57]
عمود الشعر عند المرزوقي
تناول المرزوقي نظرية عمود الشعر في المقدمة التي كتبها على شرحه لحماسة أبي تمام. هذه المقدمة تضم عددا من القضايا النقدية الهامة، ومنها قضية عمود الشعر.
ارتبطت هذه النظرية بالمرزوقي على الرغم من المجهودات التي بذلت قبله. ومحاولة المرزوقي في هذا المضمار يمكن اعتبارها جادة. فقد بين فيها عناصر عمود الشعر ومقياس كل عنصر من هذه العناصر، وقد استفاد من صياغة هذه النظرية من الآراء النقدية التي سبقته. فبعد ابن طباطبا والآمدي و القاضي الجرجاني أصبح الطريق معبدا لكي يوضح عمود الشعر كما قالته العرب.
يقول المــــــــــرزوقي: “إنهم كانوا يحاولون شرفَ المعنى وصحتَه، وجَزالة اللفظ واستقامته، والإصابةَ في الوصف – ومن اجتماع هذه الأسباب الثلاثة، كثُرت سوائر الأمثال، وشوارد الأبيات – والمقاربة َفي التشبيه، والتحام أجزاء النظم والتئَامَها، على تخير من لذيذ الوزن، ومناسبة َالمستعار منه للمستعار له، ومشاكلة َاللفظ للمعنى، وشدة َاقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما. فهذه سبعة ُأبواب هي عمود الشعر، ولكلِّ باب منها مِعيار.
فعيار المعنى أن يُعرض على العقل الصَّحيح، والفَهمِ الثَّاقب، فإذا انعطف عليه جَنْبَتَا القبولِ والاصطفاء، مستأنِسًا بقرائنه، خرج وافيًا، وإلا انتقص بمقدار شَوْبِهِ ووحْشَتِهِ.
وعيار اللفظ الطبعُ والرواية والاستعمال، فما سلمَ مما يُهجِّنُه عند العَرضِ عليها فهو المختار المستقيم. وهذا في مفرداته وجُمَله مراعىً، لأن اللفظة َتُستكرهُ بانفرادها، فإذا ضامَّها ما لا يوافِقُها عادت الجملة هَجينا.
وعيار الإصابة في الوصف الذكاءُ وحسنُ التمييز، فما وَجَداه صادقا في العُلُوق مُمازجًا في اللُّصوق، يتعسَّر الخروج عنه والتبرُّؤ منه فذلك سِيما الإصابة فيه. ويروى عن عمرَ (ض) أنه قال في زهير:” لايمدح الرجل إلا بما يكون للرجال” فتأمل هذا فإن تفسيرَه ما ذكرناه.
وعيار المقاربة في التشبيه الفطنةُ وحسنُ التقدير، فأصدقُه ما لاينتقضُ عند العكس، وأحسنُه ما أُوقِع بين شيئين اشتراكُهُما في الصفات أكثر من انفرادهما ليَبِينَ وجهُ التشبيه بلا كُلْفَة، إلا أن يكون المطلوبُ من التشبيه أشهرَ صفات المشبه به، وأملكَهَا له، لأنه حينئذٍ يدلُّ على نفسه، ويحميه من الغموض والالتباس. وقد قيل ”أقسام الشعر ثلاثة: مثل سائر، وتشبيه ناذر، واستعارة قريبة”.
وعيار التحام أجزاء النظم والتئامه على تخيُّرٍ من لذيذ الوزن، الطبعُ واللسانُ، فما لم يتعثَّرِ الطبعُ بأبِيِّه وعُقودِه، ولم يتحبَّس اللّسانُ في فصوله ووصوله، بل استمرَّا فيه واسْتَسْهَلاه بلا مَلالٍ ولا كََلالٍ، فذلك يوشِك أن تكون القصيدةُ منه كالبيت، والبيتُ كالكلمة تشابُهًا لأجزائِه وتقارُنا، وألا يكون كما قيل فيه:
وشعرٍ كبَعْرِ الكبشِ فرَّقَ بينَهُ لِسانُ دعِيٍّ في القريضِ دَخِيلِ (…).
وإنما قلنا ” على تخيُّرٍ من لذيذِ الوزنِ” لأن لذيذَه يَطرَب الطَّبعُ لإيقاعه، ويُمازِجُه بصَفائِه، كما يطرَبُ الفهمُ لصواب تركيبِه، واعتِدالِ نُظومِه. ولذلك قال حسان (ض):
تغنَّ في كل شعرٍ أنتَ قائلُه إن الغناءَ لهذا الشعرِ مِضْمارُ
وعيار الاستعارة الذِّهن والفطنة، ومِلاكُ الأمرِ تقريبُ التشبيه في الأصل حتى يتناسبَ المشبَّهُ والمشبَّهُ به، ثم يُكتفَى منه بالاسم المستعار؛ لأنه المنقولُ عمَّا كان له في الوضع إلى المستعار له.
وعيار مشاكلةِ اللفظ للمعنى وشدَّةِ اقتضائهما للقافية، طولُ الدُّربَة ومدامُ المدارسة، فإذا حكما بحسن التباس بعضها ببعض، لاجفاءَ في خِلاَلِها ولا نُبُوّ، ولا زيادة فيه ولا قصور، وكان اللفظُ مقسومًا على رُتبِ المعاني، قد جُعِل الأخَصُّ للأخصِّ والأخَسُّ للأخَسِّ، فهو البرئُ من العيب. وأما القافيةُ فيجب أن تكون كالموعودِ به المنتظَرِ، يتشوَّقُها المعنى بحقِّه، واللفظ بقِسْطِه، وإلا كانتْ قَلِقَةً في مقرِّها، مُجتَلِبَةً لمُسْتَغْنٍ عنها”[58].
من خلال هذا النص يتضح أن العناصر التي أوردها المرزوقي لم تكن خافية على الآمدي أو الجرجاني. فالمرزوقي عاد إلى تلك العناصر الستة التي ذكرها الجرجاني في الوساطة، فاعتمد أربعة منها، وهي:
- شرف المعنى وصحته 2- وجزالة اللفظ واستقامته
- والإصابة في الوصف 4- والمقاربة في التشبيه
واستغنى عن العنصرين الآخرين اللذين كانا عند الجرجاني وهما:
- سوائر الأمثال وشوارد الأبيات
- الغزارة في البديهة
فجعل الأول منهما مؤلفا من اجتماع العناصر الثلاثة الأولى واستغنى نهائيا عن الثاني ولم يعده من عناصر عمود الشعر. ثم أضاف من عنده ثلاثة عناصر:
- التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن؛
- مناسبة المستعار منه للمستعار له؛
- مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما.
وعلى الرغم من أن المرزوقي عاد إلى ما جاء عند الآمدي والجرجاني إلا أنه يختلف عنهما. فالآمدي حدد عناصر عمود الشعر آخذا البحتري نموذجا له، بينما المرزوقي لم يحددها تبعا لذلك، بل جعلها عامة للشعر الجيد القديم والحديث، وكذلك الجرجاني، والدليل على ذلك هو قول المرزوقي في نهاية الحديث عن العناصر السبعة والمعايير:” وهذه الخصال هي عمود الشعر عند العرب، فمن لزمها بحقها، ونبى شعره عليها فهو المفلق المعظم والمحسن المقدم…ومن أراد التجديد أو الخروج على عمود الشعر فعليه أن يثبت جدارته[59].
وفي هذا الصدد لابد أن نشير إلى قيمة الاعتدال التي يتبناها المرزوقي بقوله:” أن لهذه الخصال وسائط وأطرافا، فيها ظهر صدق الواصف، وغلو الغالي، واقتصاد المقتصد”[60]. وهو بذلك يتبنى موقف الجرجاني في الحرص على الاعتدال ومجافاة الإفراط في الصنعة وتجاوز المألوف في البدعة.
وعلى الرغم من أن المرزوقي حدد عناصر عمود الشعر بصورة واضحة، ووضع لكل عنصر معيارا يقاس به، وتعرف جودته من ردائته عند العرض عليه، إلا أنه لم يحاول أن يشرح مدلولات هذه العناصر، على الرغم مما يعتريها من غموض وعدم الوضوح في الدلالة.
فما هي هذه العناصر؟
- شرف المعنى وصحته: يشترط هذا العنصر صفتان اثنتان: الشرف والصحة.
- شرف المعنى: ولا يقصد بالشرف هنا ما يرتبط بالمعنى الأخلاقي، أي أن يكون شريفا، (أي كونه من الفضائل)، وإنما المقصود أن يكون من أحاسن المعاني المستفادة من الكلام، حيث يقع لدى السامعين موقعا حسنا يفي بمراد الشاعر ويليق بالغرض الشعري( شروط شرف المعنى تختلف باختلاف أغراض الكلام: من حماس، أو غزل، أو نسيب، أو فخر). ومن أكبر أسباب شرف المعنى أن يكون مبتكرا غير مسبوق. يقول بشر بن المعتمر:” إنما مدار الشرف مع الصواب، وإحراز المنفعة مع موافقة الحال ومع ما يجب لكل مقام من مقال”[61].
وهذا عمل يحتاج إلى صفاء القريحة وطول الدربة وحسن الاقتداء والتمييز بين المقبول والمرفوض. وقد ذكر ابن الأثير في المثل السائر من المعنى الشريف قول المتنبي:
تَلذُّ له المروءة وهي تؤذي ومن يعشق يلذُّ له الغرامُ
وضد المعنى الشريف السخيف، لقلة جدواه، أو لدلالته على تعلُّق تفكير صاحبه بصور ضعيفة، من ذلك قول نصيب:
أهيمُ بِدعْدٍ ما حَيِيتُ فإنْ أمُتْ فَيَا ليْتَ شِعْري مَنْ يَهيمُ بها بَعْدي
يقول امرؤ القيس:
وأركبُ في الرّوعِ خِيفَانة كَسَى وجهَها شعرٌ مُنتشِر
فقد رأى الجرجاني أن هذا الوصف، هو وصف لفرس ليس بالكريم ولا الأصيل، لأن شعر الناصية إذا غطى وجه الفرس، لم يكن أصيلا.
- صحة المعنى: ويُقصد به ألا يكون في المعنى اضطراب، أو سوء ترتيب، أو انتقاض بعضه ببعض. وضد المعنى الصحيح المعنى المخطئ والمختل. ومن عجيب ما عرض للشعراء من سخيف المعنى، ما عرض لأبي العتاهية من قوله في رثاء الخليفة:
مات الخليفةُ أيّها الثّقلان فكأنّي أفطرتُ في رَمضَان
فالشطر الثاني من سخيف المعنى، وأن بينه وبين الشطر الثاني بونا بعيدا.
وحتى تتوافر في المعنى هذه الشروط، وضع المرزوقي له معيارا يعرض عليه وهو: العقل الصحيح والفهم الثاقب، كما جاء في النص. إن إدراك حقائق المعنى ومعرفة أسرارها والنفاذ إلى مكامنها تحتاج إلى فهم ثاقب، وبصر نافذ، كما تحتاج إلى العقل الصحيح الواعي..
- جزالة اللفظ واستقامته:
- جزالة اللفظ: الجزالة في اللفظ هي القوة والمتانة خلاف الركاكة. وهذا يعني أن يكون اللفظ مرويا عن العرب، أي أن يميل إلى الألفاظ القديمة من الحديثة. يقول الجاحظ:” وكما لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميا وساقطا سوقيا، فكذلك لا ينبغي أن يكون غريبا وحشيا”.
فاللفظ الجزل يقع بين حالتين:
- أن يرتفع عن الابتذال والسوقية والعامية،
- أن يسلم من الغرابة والوحشية والاستكراه، أي أن يكون مفهوما.
- الاستقامة: ويقصد بها أن يتّفق اللفظ مع أصول اللغة وقواعدها المتعارف عليها، فكل لحن أو خطإ أو مخالفة لقاعدة نحوية تعد مخالفة لاستقامة اللفظ، أي أن يكون كما يقول قدامة بن جعفر:” ملحونا وجاريا على غير سبيل الإعراب واللغة” [62]، ومن ذلك قول الشاعر: “الحمد لله العلي الأجلل”
فالقول مخالف للقاعدة النحوية، أي القياس بالإدغام، والصحيح هو قوله: الأجل.
وقد وَضعَ المرزوقي لصفات اللفظ عيارا يقاس به وهو كما يقول: ” وعيار اللفظ الطبع والرواية والاستعمال، فما سلم مما يهجنه عند العرض عليها فهو المختار المستقيم….” فما الطبع والرواية والاستعمال؟
الطبع: هو السليقة والملكة اللغوية التي تتكون بطول الدربة وكثرة الممارسة للكلام الفصيح. أما الرواية والاستعمال فهما شيئان يكشفان عن صحة اللفظ وسلامته واستقامته عند عرضه عليهما، فما جاء في كلام العرب وكان متفقا مع قواعدهم واستعمالهم فهو الصحيح، السليم.
ج- الإصابة في الوصف
ويقصد به أن يحسن الشاعر التعبير عن الغرض الذي يطرقه، سواء أكان مدحا أم هجاء أم غزلا..، فيذكر من خصائص الموضوع ما يلائمه أو يصح أن ينسب إليه. يقول المُسيِّب بن عَلَس:
وقَدْ أتَناسَى الْهَمَّ عنْدَ احتِضاره بناج عليه الصيعرية مكدم
فقد أنزل الشاعر “الصيعرية” غير منزلها، فهي سِمة للنّوق لا للفحول، وكذلك قول امرئ القيس:
فللسّوطِ ألهوبٌ وللسّاق درّة وللزّجر منهُ وقْعٌ أخرَج مُهذِب
فهو في معرض مدح فرسه وصفه بما لا يسبغ عليه الحسن الذي يريد له، فبدا هذا الفرس من خلال حديثه بطيئا لأنه في حاجة إلى السوط والركض والزجر.
وأما العيار الذي يتحقق به الإحساس بالإصابة في الوصف، أو إدراك هذه الإصابة ، أوإنزال كل نعت منعوته الذي يستحقه هو الذكاء وحسن التمييز كما يقول المرزوقي في النص أعه.
ومن اجتماع هذه العناصر الثلاثة السابقة (المعنى – اللفظ – الإصابة في الوصف) تتكون سوائر الأمثال، وشوارد الأبيات. ومعنى ذلك أن عمود الشعر يشترط لكي يذهب البيت مذهب المثل، ويكون شاردا ونادرا، أن يكون معناه شريفا صحيها، ولفظه جزلا مستقيما، وأن يكون صائبا في وصفه الذي يسعى إليه.
د- المقاربة في التشبيه:
ويقصد بذلك قوة الشبه ووضوحه بين طرفي التشبيه (المشبه والمشبه به) وأحسن التشبيه عندهم ما وقع بين شيئين بينهما من الاشتراك في الصفات أكثر مما بينهما من الاختلاف. وفي هذا الصدد، يستحسن بعض النقاد التشبيه القريب ويستقبحون التشبيه البعيد الغامض. وفائدة التشبيه – كما يقول ابن رشيق – هي تقريب المشبه من فهم السامع، وإيضاحه له[63]. فمن أفضل التشبيه عند قدامة اشتراك المشبه والمشبه به في الصفات أكثر من انفرادهما، ومن ذلك قول امرئ القيس:
لهُ أيْطَلا ظبْي وسَاقا نَعامة وإرخاءُ سرْحان، وتقْريبُ تَتْفُلِ
ومن التشبيه البعيد الذي استشهد به ابن طباطبا العلوي قول خفاف بن ندبة:
أبقى لنا التَّعداءُ من عَتَداتِها ومُتُونِها كخُيوطـَة الكَتَّانِ ص. 148
العتدات القوائم- ضلوعها: متونها. أراد أن قوائمَها دَقَّتْ حتى عادت كأنها الخيوط.
أما رديء التشبيه فكقول الشاعر:
وخَال على خدّيكِ يبْدو كأنّه سَنَا البدْرِ في دَعجاءَ بادٍ دُجونُها
لأن الخدود بيض، والمعروف أن الخال يكون أسودا، ولكن الشاعر شبّه الخدود بالليل، والخال بضوء البدر.
أما العيار الذي تتحقق به المقاربه في التشبيه فهو الفطنة وحسن التقدير، يقول المرزوقي:” وعيار المقاربة في التشبيه الفطنة وحسن التقدير، فأصدقه ما لا ينتقض عند العكس، وأحسنه ما أوقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما ليتبين وجه الشبه بلا كلفة….”
ه- التحام أجزاء النظم، والتئامها على تخير من لذيذ الوزن:
ويقصد بالتحام أجزاء النظم تأليف الكلام، حيث يتطلب أن تأتي كل كلمة في موقعها، فيأتي الكلام سلسا، لا تعثر فيه؛ ثم تأتي أجزاء القصيدة بفنونها وأغراضها ملتحمة ومؤلفة تأليفا حسنا، حيث لا يبدو الانتقال من غرض إلى آخر مفاجئا أو مبتورا عما قبله. وقد عبر ابن طباطبا عن هذا الالتحام في الشعر قائلا:” فإن للشعر فصولا كفصول الرسائل، فيحتاج الشاعر أن يصل كلامه -على تصرفه في فنونه- صلة لطيفة، فيتخلص من الغزل إلى المديح، ومن المديح إلى الشكوى…”[64]، ثم يضيف قائلا:” وأحسن الشعر ما ينتظم فيه القول انتظاما يتسق به أوله مع آخره على ما ينسقه قائله، فإن قدم بيت على بيت دخله الخلل كما يدخل الرسائل والخطب إذا نقض تأليفها(…) يجب أن تكون القصيدة كلها كلمة واحدة في اشتباه أولها بآخرها نسجا وحسنا وفصاحة وجزالة ألفاظ ودقة معان وصواب تأليف”[65].
وبعد أن يتحقق هذا الالتحام بين أجزاء النظم، ينبغي للشاعر أن يختار لهذه الأجزاء الوزن اللذيذ الذي يناسبها حتى يكون للكلام إيقاع جميل يطرب الذوق له، وموسيقى تزيده جمالا. يقول قدامة بن جعفر عن ائتلاف المعنى مع الوزن بعد حديثه عن ائتلاف اللفظ والوزن:” هو أن تكون المعاني تامة مستوفاة لم تضطر بإقامة الوزن إلى نقصها عن الواجب ولا إلى الزيادة فيها عليه، وأن تكون المعاني أيضا مواجهة للغرض لم تمتنع عن ذلك وتعدل عنه من أجل إقامة الوزن والطلب لصحته”[66].
كما يجب أن تُخصّ القافية بكبير عناية من قبل لشاعر في اختيارها، فهي مركز الإيقاع الموسيقي في القصيدة، لذلك يتعين اجتناب كل ما من شأنه أن يعيق دورها الإيقاعي بما يدخلها من العيوب كالإقواء والإيطاء…
أما العيار الذي وضعه عمود الشعر ليتحقق به التحام أجزاء النظم، والتئام هذه الأجزاء مع الوزن، فهو الطبع واللسان كما يقول المرزوقي.
و- مناسبة المستعار منه للمستعار له:
لقد سُبِق المرزوقي إلى هذا الركن، حيث كان النقاد السابقون يطالبون بالمناسبة بين المستعار منه والمستعار له، يقول الآمدي:” وإنما استعارت العرب المعنى لما ليس هو له إذا كان يقاربه أو يناسبه أو يشبهه في بعض أحواله، أو كان سببا من أسبابه، فتكون اللفظة المستعارة حينئذ لائقة بالشيء الذي استعيرت له، وملائمة لمعناه” [67].
أما الجرجاني فلم يشر إلى الاستعارة، أي لم يجعلها قاعدة أساسية، حيث إن العرب برأيه:” لم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقة ولا تحفل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر ونظام القريض”.[68]
أما المرزوقي فيقول:” وملاك الأمر تقريب التشبيه في الأصل حتى يتناسب المشبه والمشبه به ثم يكتفي فيه بالاسم المستعار؛ لأنه المنقول عما كان له في الوضع إلى المستعار له”[69] .
وهذا يعني أن يكون بين المشبه والمشبه به في الاستعارة علاقة واضحة، وصلة قوية، فيكون وجه الشبه واضحا للمخاطب، وهذا الأمر مطلوب في التشبيه وفي الاستعارة. والاستعارة قد تكون قريبة وقد تكون بعيدة. فعمود الشعر مازال ينظر إلى الاستعارة كما عرّفها البلاغيون على أنها نوع من أنواع التشبيه، أي تشبيه بليغ حذف أحد طرفيه. ولذلك كان الأمر تقريب التشبيه، ووضوح العلاقة بين المشبه والمشبه به، أو بين المستعار منه والمستعار له.
ومثال الاستعارة القريبة قول أبي ذؤيب الهذلي:
وإذا المنيّةُ أنْشَبتْ أظفارَها ألفيْتَ كُلّ تميمةٍ لا تَنْفَعُ
فالموت في فتكه بالناس كالوحش الذي ينقض على فريسته. أما الاستعارة البعيدة فكقول الأعشى “يضاحك الشمس” في قوله:
يُضاحكُ الشّمسَ منها كوكَبٌ شرق موزرٌ بعميم النّبت مكتهل
وعيار الاستعارة :الذهن والفطنة، وهما عماد الذوق السليم والطبع الصحيح.
ي- مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما
إن مشاكلة اللفظ للمعنى ضرورية في التعبير، لأن لكل معنى لفظا يدل عليه في صورة من الصور التي يريد الشاعر أن يعبر عنها، وهذه الصلة بين الطرفين تقوم على الالتحام التام والامتزاج الكامل بينهما امتزاجا يشبه امتزاج الروح بالجسد. يقول الجاحظ:” وإنما الألفاظ على أقدار المعاني، فكثيرها لكثيرها، وقليلها لقليلها، وشريفها لشريفها، وسخيفها لسخيفها”[70]. هكذا تقتضي المشاكلة بين اللفظ والمعنى إلباس كل معنى ما يليق به من الألفاظ، وإعطاؤه ما يستحقه من العبارات، كما
يقول الجاحظ:” ولكل ضرب من الحديث ضرب من اللفظ، ولكل نوع من المعاني نوع من الأسماء، فالسخيف للسخيف، والخفيف للخفيف، والجزل للجزل”[71] .
هكذا تقتضي المشاكلة كما يقول البلاغيون مناسبة الكلام لمقتضى الحال، أولكل مقام مقال، فالألفاظ التي تستعمل في المدح غير الألفاظ التي تستعمل في الهجاء، والألفاظ التي تستعمل في وصف الأشواق غير الألفاظ التي تستعمل في وصف مواقف الحروب.
قال أبو تمام في المدح:
ما زال يُهذي بالمكارم دائبًا حتّى ظننَّا أنَّــه مَحمــوم
فقد جعل ممدوحه محموما يهذي، وهذا عيب عند النقاد لأنه من الألفاظ التي لا تليق بالمدح.
وقال أبو تمام:
يا أبا جعفر جُعلتُ فداكا بزَّ حسنَ الوجوه حسنُ قفاكا
فقد عِيب عليه استعمال لفظ “القَفا” في معرض المدح، فالقفا – كما يقول حازم القرطاجني- ليس يليق إلا بطريقة الذم، لذلك جاء استعماله في باب المدح مكروها[72].
ومن باب المشاكلة كذلك أن يحيط اللفظ بمعناه، حيث يوفيه حقه من الإيضاح والتصوير دون زيادة ولا نقصان، حتى يكون اللفظ على قدر المعنى.
وبعد تحقيق هذه المشاكلة يهتم عمود الشعر بربطهما بالقافية الجيدة حيث “يتشوقها المعنى بحقه، واللفظ بقسطه” فهي كالموعود به المنتظر– كما يقول المرزوقي- قافية يسوق إليها المعنى سوقا، وتتلاحم مع ألفاظ البيت تلاحما قويا تركيبيا، وإيقاعيا، ودلاليا. فيجب أن تأتي كلمة القافية في موضعها، لا أن يكون الشاعر قد اضطر إليها.
ومن عيوب ائتلاف المعنى والقافية ما جاء به قدامة بن جعفر، ومنها أن تكون القافية مستدعاة عن تكلف في طلبها :
قال أبو تمام:
كالظّبيةِ الأدماء صافَت فارْتعَتْ زَهْرَ العرار الغَضّ والجثْجاثا
فالبيت بألفاظه ومعانيه مبني لطلب هذه القافية، وإلا فليس في وصف الظبية بأنها ترتعي الجثجاث كثير فائدة، لأنه إنما توصف الظبية بأنها ترتعي الجثجاث إذا قصد نعتها بأحسن أحوالها[73].
وأما عيار مشاكلة اللفظ للمعنى، وشدة اقتضائهما للقافية” فطول الدربة ودوام الممارسة…..” كما يقول المرزوقي في النص أعلاه.
في نظرية النظم
عبد القاهر الجرجاني
النظم لغة، هو: التأليف، وضم الشيء إلى شيء آخر، يقال نظمت اللؤلؤ أي جمعته في السلك، ومنه نظمت الشعر[74]. و جاء في أساس البلاغة للزمخشري:” ومن المجاز نظم الكلام، وهذا نظم حسن، وانتظم كلامُه وأمرُه”[75].
وبذلك يكون معنى النظم هو ضم شيء إلى شيء آخر على نسق واحد مثل تنسيق حبات اللؤلؤ المنتظمة في سلك. وهذا مما ذهب إليه الجرجاني في دلائل الإعجاز في صياغة مفهوم النظم.
هذا، ويعتبر أرسطو من الأوائل الذين تحدثوا عن فكرة النظم في كتابه “الخطابة” من خلال حديثه عن مراعاة الروابط بين الجمل والأسلوب وحذف أدوات الوصل والتكرار في دراسته للأساليب[76]. أما في التأليف العربي فترجع فكرة النظم إلى ما كتبه النحاة والبلاغيون ومؤلفو كتب إعجاز القرآن الكريم.
ولعل أقدم إشارة في التأليف العربي نجدها عند ابن المقفع (142ه) في حديثه عن صياغة الكلام في كتابه “الأدب الصغير”، حيث يقول: ” فإذا خرج الناس من أن يكون لهم عمل أصيل وأن يقولوا قولا بليغا، فليعلم الواصفون المخبرون أن أحدهم – وإن أحسن وأبلغ ـــــــ ليس زائدا على أن يكون كصاحب فصوص وجد ياقوتا وزبرجدا ومرجانا، فنظمه قلائد وسموطا وأكاليل، ووضع كل فص موضعه، وجمع إلى كل لون شبهه وما يزيد بذلك جسنا…”[77].
كما نجد في صحيفة بشر بن المعتمر (210ه) عبارات تفيد الحديث عن النظم، مثل قوله:” فإذا وجدت اللفظة لم تقع موقعها، ولم تصر إلى قرارها، وإلى حقها من أماكنها المقسومة لها، والقافية لم تحُلْ في مركزها وفي نصابها، ولم تتصل بشكلها، وكانت قلقة في مكانها نافرة من موضعها، فلا تكررها على اغتصاب الأماكن ، والنزول في غير أوطانها”[78].
أما استعمال مصطلح “النظم” فنجده بداية في الفكر الاعتزالي خاصة في الدراسات المتعلقة بإعجاز القرآن، فللجاحظ كتاب سماه “نظم القرآن”، ولمحمد بن يزيد الواسطي( 306ه) كتابا سماه ” إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه”، بل استعمل بعضهم مصطلح “النظم” في ثنايا رسائلهم أو كتبهم نذكر منهم: أبو الحسن الرماني( 384ه) في رسالته ( النكت في إعجاز القرآن)، وكذلك القاضي عبد الجبار صاحب ( المغني في أبواب التوحيد والعدل) وابن سنان الخفاجي في كتابه (سر الفصاحة). يقول الرماني مثلا :” وحسن البيان في الكلام على مراتب فأعلاه مرتبة ما جمع أسباب الحسن في العبارة، من تعديل النظم حتى يحسن في السمع، ويسهل على اللسان، وتتقبله النفس تقبل البرد”[79].
- النظم في الفكر الاعتزالي:
يعتبر الجاحظ أول من وضع في الفكر الاعتزالي الأسس البيانية التي تقوم عليها نظرية النظم، وحدد معالم المذهب الاعتزالي في إعجاز القرآن من خلال الرد على النَّظَّام وأتباعه الذين ينكرون أن يكون القرآن الكريم معجزا بنظمه، إضافة إلى رده على أصحاب المعاني الذين يهتمون بالمعاني في قياس جمالية الشعر دون الألفاظ.
لقد اهتم المعتزلة كثيرا بالألفاظ والأصوات وبالصورة السمعية للكلام، وجعلوا من الصياغة اللفظية المادة التي تظهر فيها مهارة الناظم وبراعته. ولذلك يقول الأستاذ أحمد أبو زيد:” ويمكن اعتبار العناية بالنواحي الصوتية، وما يتعلق بانسجامها وتلاؤمها، وبخفة الألفاظ وسهولتها وعذوبتها، وحسن وقعها في الأسماع وبفنون التعبير التي تدخل تحت مصطلح ” البديع” وبجماليات الصياغة اللفظية ووضوح الدلالة وحسن البيان من أبرز معالم الاتجاه الاعتزالي في البيان ودراسة النظم القرآني”[80].
ولعل هذا هو الذي دفع الجاحظ إلى الاهتمام في بداية كتابه “البيان والتبيّن” بالأصوات اللغوية وأثرها في حسن البيان، وجمال الصورة السمعية للكلام. إضافة إلى إشارته إلى الخصائص الصوتية لبعض اللغات في كتابه بقوله:” ولكل لغة حروف تدور في أكثر كلامها، كنحو استعمال الروم للسين، واستعمال الجرامطة للعين”[81]. أما اهتمامه بالألفاظ فيتضح في قوله: ” ومتى كان اللفظ كريما في نفسه متخيرا من جنسه، وكان سليما من الفضول، بريئا من التعقيد، حبب إلى النفوس، واتصل بالأذهان، والتحم بالعقول، وهشت إليه الأسماع، وارتاحت له القلوب وخف على ألسن الرواة، وشاع في الآفاق ذكره، وعظم في الناس خطره”[82]. ولعل عنايته بالألفاظ هو الذي أدى به إلى الإشادة بطريقة كتاب عصره في البلاغة لأنهم يجيدون اختيار الألفاظ. وفي هذا السياق، ذهب إلى أن جمالية الشعر لا تقاس بمعناه، وإنما تقاس بعناصر جمالية تندرج في الاهتمام بالصياغة اللفظية، ولذلك يرى بأن الشعر إنما هو:” في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة السبك، فإنما الشعر صياغة وضرب من النسج وجنس من التصوير”[83].
إضافة إلى هذه المقاييس التي تحدد بعض ملامح تصور الجاحظ للنظم، تَحدّثَ عن مقياس فني آخر في جودة الشعر وهو التلاؤم بين الألفاظ والأصوات، حيث يرى بأن أجود الشعر هو: ” ما رأيته متلاحم الأجزاء سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه أفرغ إفراغا واحدا، وسبك سبكا واحدا، فهو يجري على اللسان كما يجري الدّهان، وإذا كانت الكلمة ليس موقعها إلى جنب أختها مرضيا موافقا، كان على اللسان عند إنشاد ذلك الشعر مؤونة”[84].
هكذا تكون رؤية الجاحظ في إلحاحه على الصياغة اللفظية وما يرتبط بها من اختيار للأساليب والألفاظ، وتلاؤم أجزاء الكلام، وحسن صورته في أسماع المتلقين نابعة من أصول الفكر الإعتزالي، ومن موقفهم من الصفات وكلام الله وخلق القرآن. لذلك يتعين على الباحث الذي يريد أن يحدد معالم نظرية المعتزلة في البحث اللغوي والبياني وإعجاز القرآن أن يكون عارفا بأصول هذا المذهب.
بعد تحديد معالم هذه النظرية، جاء مجموعة من اللغويين والبيانيين المعتزلة في القرنين الرابع والخامس الهجريين فساروا على نهج الجاحظ وبنوا تصورهم للنظم، ودراستهم لإعجاز القرآن الكريم كابن جني والرماني وابن سنان الخفاجي. فقد اعتنى ابن جني بالدراسة الصوتية بشكل لافت للنظر خاصة في كتابة “الخصائص”، كما اهتم بالاشتقاق وهو مبحث له صلة بوجهة نظر المعتزلة في اللغة، إضافة إلى مبحثه الهام الذي أسماه باب “في تصاقب المعاني لتصاقب الألفاظ” في الصلة بين الألفاظ ودلالاتها. والأمر نفسه لدى الرماني في الأبواب البلاغية التي تناولها في رسالته ” النُّكت في إعجاز القرآن”، حيث اهتم بالصياغة اللفظية شأن سلفه الجاحظ.أما ابن سنان الخفاجي فقد رأى أن موضوع صناعة النظم هو الكلام المؤلف من أصوات، وهو الرأي نفسه الذي انطلق منه الجاحظ في بيان البيان القرآني وإعجاز القرآن.
- النظم في الفكر الأشعري
مع مطلع القرن الرابع الهجري انتشر الفكر الإعتزالي في مجال علوم اللغة والبيان وإعجاز القرآن، فظهر الفكر الأشعري لمواجهته ونصرة الفكر السني الذي لم يساير الفكر الاعتزالي في الخصومة الجدل، إضافة إلى كونه يتحرج من الخوض في علم الكلام. فظهرت الخصومة بين الفرقتين في مجال اللغة والبيان وإعجاز القرآن. فحاول الأشاعرة تقديم بديل عما قدمه خصومهم في هذه المجالات.
من أبرز العلماء الذين تصدوا للفكر المعتزلي: أبو بكر الباقلاني، ويمثل المرحلة الأولى في المواجهة بين الفرقتين، والتي تتسم بالهدوء، ثم جاء بعده عبد القاهر الجرجاني الذي يمثل مرحلة الحدة. فمن المظاهر الفنية والبيانية التي اعتمدها الباقلاني في بيان بلاغة النظم القرآني وبيان إعجاز القرآن: تخير الألفاظ، والتنويه بقيمة اللفظة المفردة، وبالتلاؤم اللفظي.
- تخير الألفاظ: حيث يرى الباقلاني أن اختيار الألفاظ ووضعها في مكانها الواجب لها مما يعرف به إعجاز القرآن، يقول: ” على المتكلم أن يتخير من اللفظ ما كان أقرب للدلالة على المراد، وأوضح في ا إبانة على المطلوب، ولم يكن مستكره المطلع على الآذان ومستنكر المورد على النفوس”[85].
- قيمة اللفظة المفردة: اهتم الباقلاني باللفظة المفردة وجعلها مقياسا بلاغيا تقاس بها فصاحة الكلام، يقول:” وأنت ترى الكلمة من القرآن يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير وهي غرة جميعه وواسطة عقده”[86].
أما التلاؤم اللفظي فقد اهتم به في تناوله للوجوه البلاغية في معرض بيان إعجاز القرآن.
- نظرية النظم عند الجرجاني
يعتبر عبد القاهر الجرجاني أول من وضع نظرية النظم طبقا لأصول المذهب الأشعري. فقد كان لتضلعه في اللغة وفي علم النحو و وظائفه ميزة في مخالفة النظرية الاعتزالية في باب النظم و إعجاز القرآن.
فإذا كان المعتزلة يعتقدون أن القرآن مخلوق، من غير فصل بين ألفاظه ومعانيه؛ فإن الأشاعرة يعتقدون أن القرآن ينقسم إلى مدلول قديم، هو صفة أزلية قديمة من صفات الله تعالى، وإلى دلالات حديثة هي الألفاظ والعبارات. وأن هذه العبارات تابعة في ترتيبها ونظمها للمدلول القديم. و تبعا لذلك فالنظم القرآني هو نظم واقع في المدلول، أو نظم وترتيب “للمعاني النفسية” [87]. والمقصود بـــــ”المعاني النفسية” هنا، إنما هو المعادل الذهني للمعاني النحوية. إنها العنصر الأصلي في النظم، وهي موضوعه. يقول الجرجاني:” وإذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك لم تحتج إلى أن تستأنف فكرا في ترتيب الألفاظ، بل تجدها تترتب لك بحكم أنها خدم للمعاني، وتابعة لها، ولاحقة بها”[88]. ثم يقول: ” إذا وجب لمعنى أن يكون أولا في النفس وجب للفظ الدال عليه أن يكون أولا في النطق”[89]. هكذا يقرر الجرجاني أن “النظم” هو ترتيب المعاني في النفس. كما أن “النظم” كذلك هو”توخي المعاني النحوية”، حيث يقول محددا معنى النظم: ” اعلم أم ليس “النظم” إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه “علم النحو” وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها”. كما يقرر أن موضوع “النظم” هو المعاني النحوية وهو يقول:” اعلم أنك إذا رجعت إلى نفسك علمت علما لا يعترضه الشك، أن لا نظم في الكلم، ولا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض، ويبني بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب من تلك هذا ما لا يجهله عاقل، ولا يخفى على أحد من الناس”[90]. فعلى الناظم إذا أن يفكر وينظر في وجوه كل باب من أبواب النحو وفروقه، فينظر في الخبر ووجوهه، وينظر في فروق الشرط وأحواله، وفي وجوه الحال وفروقه…إلخ ليقف على فروق تلك المعاني ووجوهها.
هكذا ينقل الجرجاني موضوع النظم من ساحة الحروف والألفاظ والانسجام الصوتي… كما اتضح عند المعتزلة إلى ساحة أشعرية تعنى بالمعاني النفسية والمعاني النحوية. ولم يكن ذلك مجرد خلاف علمي بسيط، بل كان خصومة شديدة يحمل من خلالها على آراء المعتزلة في البيان والنظم القرآني وإعجازه. والجرجاني يؤكد فيما كتبه أن الألفاظ تَبَعٌ للمعاني، وأنها تترتب في النفس على حسب ترتيب المعاني في النفس. فالمعاني في العملية الإبداعية تنطلق انطلاقا بدون تكلف ولا غموض فتقع على ما يليق بها من الألفاظ فتلبسها مهما اختلفت الأساليب وتعددت التعابير.
- النظم وصلته بالنحو
يقول الجرجاني: ” معلوم أن ليس النظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض”[91]. بهذا النص يكون الناقد قد أخضع النحو لفكرة النظم. ولتوضيح هذا الكلام قال:” والكلم ثلاث: اسم وفعل وحرف، وللتعليق فيما بينها طرق معلومة، وهو لايعدو ثلاثة أقسام: تعلق اسم باسم، وتعلق اسم بفعل وتعلق حرف بهما. فالإسم يتعلق بالاسم بأن يكون خبرا عنه أو حالا منه أو تابعا له صفة أو تأكيدا أو عطف بيان أو بدلا أو عطفا بحرف…وأما تعلق الاسم بالفعل فبأن يكون فاعلا له أو مفعولا، فيكون مصدرا قد انتصب به.. ويقال له المفعول المطلق، أو مفعولا به….وأما تعلق الحرف بهما…أحدها أن يتوسط بين الفعل والاسم…[92]“.
فالنظم عنده هو معاني النحو، بل ليست العمدة عنده في معرفة معاني النحو وحدها، ولكن فيما تؤدي إليه هذه القواعد والأصول،أي المعرفة بمعاني العبارات ووضعها مواضعها. يقول: ” قالوا: لو كان النظم يكون في معاني النحو لكان البجوي الذي لم يسمع بالنحو قط ولم يعرف المبتدأ والخبر وشيئا مما يذكرونه لا يتأتى له نظم كلام، وإنا لنراه يأتي في كلامه بنظم لا يحسنه المتقدم في علم النحو…” فالقاعدة ليست هي الهدف، وإنما الهدف هو الدلالة على المعنى.
نلاحظ مما سبق أن علم النحو يرتبط ارتباطا وثيقا بعلم المعاني، فالمسائل التي يبحثها علم النحو هي نفسها التي يبحثها علم المعاني، وفي هذا السياق ساق الجرجاني مجموعة من الأمثلة في جمال التعبير النحوي بالتقديم والتأخير، والتعريف والتنكير، والمزاوجة بين كلامين في الشرط والجزاء، وبالاستفهام والنفي والحذف، والفصل والوصل…وغير ذلك. ففي كل تعبير معنى، أو فائدة إضافية تستفاد من ترتيب الكلام حسب مضامينه ودلالاته في النفس.
- النظم وعلم البيان
ورد مصطلح البيان عند الجرجاني بشكل عام وهو يشمل البلاغة كلها، أي البيان والمعاني والبديع. تناوله في كتابه “دلائل الإعجاز” مطبقا عنه نظرية النظم. يقول مدافعا عن هذا العلم: “ثم إنك لا ترى علما هو أرسخ أصلا، وأبسق فرعا، وأحلى جنى، وأعذب وردا، وأكرم نتاجا، وأنور سراجا، من علم البيان”[93]. أما الصور البيانية التي تناولها بالدرس هي: الكناية والاستعارة[94] والتشبيه، والتمثيل والمجاز. وهذه الصور أرجعها الجرجاني إلى نظريته في نظم الكلام وهو يقول: ” أن هذه المعاني هي الاستعارة والكناية والتمثيل وسائر ضروب المجاز من بعدها من مقتضيات النظم وعنها يحدث وبها يكون، لأنه لا يتصور أن يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يتوخ فيما بينها حكم من أحكام النحو”[95]. وقد حاول الجرجاني في كتابيه أن يقيم الحدود لهذه المباحث البيانية وأن يعرض على القارئ نماذج تحليلية توضيحية للمعاني ومعاني المعاني.
هكذا ” كانت مبادرة العلامة عبد القاهر رحمه الله بدراسة النظم وما يتصل به من بناء وترتيب وتعليق من أكبر الجهود التي بذلتها الثقافة العربية قيمة في سبيل إيضاح المعنى الوظيفي في السياق أو التركيب…[ بل ] تقف بكبرياء كتفا إلى كتف مع أحدث النظريات اللغوية في الغرب وتفوق معظمها في مجال فهم طرق التركيب اللغوي”[96].
[1] ـ لسان العرب، ابن منظور، دار صادر، بيروت، مادة (وثـق).
[2] – معجم مصطلحات النقد العربي القديم، أحمد مطلوب، مكتبة لبنان ناشرون، لبنان، الطبعة الأولى 2001، ص. 192.
[3] ـ انظر مصادر الشعر الجاهلي، ناصر الدين الأسد، دار الجيل، بيروت،لبنان، الطبعة السابعة 1988، ص. 134 وما بعدها.
[4] ـ طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي، قرءه محمود محمد شاكر، طبعة 1974، ج1، ص.47.
[5] ـ الأغاني، لأبي الفرج الأصفهاني، دار الكتب المصرية، القاهرة، (ب ت) ج 6، ص.88.
[6] ـ المرجع نفسه، ج6، ص92.
[7] – انظر: مصادر الشعر الجاهلي، دار الجيل، بيروت،الطبعة السابعة 1977، ص.134.
[8] ـ طبقات فحول الشعراء، ج1، ص.23.
[9] ـ للتفصيل في الموضوع ينظر مصادر الشعر الجاهلي لناصر الدين الأسد، ص.438 وما بعدها.
[10] ـ وفيات الأعيان، لابن خلكان، ج3، ص.136.
[11] ـ طبقات فحول الشعراء، ج1،ص.24.
[12] ـ المرجع نفسه، ج1، ص.4.
[13] ـ لسان العرب (نحل).
[14] ـ العمدة لابن رشيق القيرواني، تحقيق محي الدين عبد الحميد، دار الرشاد الحديثة، البيضاء، 1934، ج2، ص 282.
[15] ـ الإيضاح في علوم البلاغة، القزويني، ص. 403.
[16] ـ انظر: إدريس الناقوري، المصطلح النقدي في نقد الشعر، دراسة لغوية تاريخية، الدار البيضاء، 1982، ص. 224.
[17] ـ مصطلحات التخطئة الشعرية، ص. 700.
[18] ـ المبـــــــــرد، الفاضل، تحقيق عبد العزيز الميمني، دار الكتب المصرية، القاهرة 1965، ص. 10.
[19] ـ الشعر والشعراء، لابن قتيبة، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار الحديث القاهرة 1982. ج1، ص.61.
[20] ـ خزانـــــــــة الأدب للبغدادي، ، طبعة بولاق، ج1، ص. 204.
[21] ـ ، فحولة الشعراء، الأصمعي ، تحقيق ش. توري، دار الكتاب الجديد، بيروت، 1971، ص 20.
[22] ـ ، ما يجوز للشاعر في الضرورة، أبو عبد الله القزاز القيرواني ، تح. وتقديم المنجي الكعبي، الدار التونسية للنشر، 1971م، ص85.
[23] ـ الشعر والشعراء، ج 1، ص. 88.
[24] ـ مصادر الشعر الجاهلي، وقيمتها التاريخية، ناصر الدين الأسد، دار الجيل، بيروت، الطبعة السابعة 1988، ص.251 ـــ 252.
[25] – انظر: طبقات فحول الشعراء، ج1، 24-47.
[26] – المرجع نفسه، ج1، ص. 46.
[27] – المرجع نفسه، ج1، ص. 4.
[28] – المرجع نفسه، ج1، ص. 5.
[29] – المرجع نفسه، ج1، ص. 17.
[30] – المرجع نفسه، ج1، ص. 60.
[31] ـ المرجع نفسه، ج1، ص. 25.
[32] ـ المرجع نفسه ، ج1، ص. 24.
[33] ـ المرجع نفسه، ج 1، ص. 46.
[34] ـ المرجع نفسه، ج1، ص. 47.
[35] ـ المرجع نفسه، ج1، ص. 48.
[36] ـ المرجع نفسه، ج 1، ص24.
[37] ـ المرجع نفسه، ج 1،ص 47.24.
[38] ـ العمدة في محاسن الشعر وآدابه، ابن رشيق، تحقيق محي الدين عبد الحميد، ج1، ص. 265.
[39] – حبيب الطائي: أبو تمام
[40] ـ العمدة، ج1، ص. 131.
[41] ـ كتاب البديع، عبد الله بن المعتز، دار المسيرة، بيروت، الطبعة الثالثة 1982، ص. 3.
[42] – كتاب “البديع” لعبد الله بن المعتز وآراء المستشرق الكبير كراتشكوفسكي، مجلة الفكر العربي، العدد: 46، يونيو 1987، ص. 259.
[43] – المرجع نفسه، ص.ن.
[44] – المرجع نفسه، ص. 263.
[45] – كتاب البديع، ص. 58.
[46] – كتاب “البديع” لعبد الله بن المعتز وآراء المستشرق الكبير كراتشكوفسكي، ص.266.
[47] – لسان العرب، مادة ( عمد).
[48] – الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، للآمدي، تحقيق أحمد صقر، الطبعة الرابعة، دار المعارف، القاهرة، 1992،ج1.ص423.
[49] – المرجع نفسه،ج1، ص. 4.
[50] – المرجع نفسه،ج1، ص12.
[51] – المرجع نفسه،ج1، ص. 18.
[52] – الوساطة بين المتنبي وخصومه، علي بن عبد العزيز الجرجاني، تحقيق أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي، المكتبة العصرية، بيروت، 2010،ص.38.
[53] – انظر: الوساطة: ص. 12،14،42، 74، 77.
[54] – المرجع نفسه، ص. 30.
[55] – المرجع نفسه، ص. 379.
[56] – البيان والتبين ، ج3، ص. 28.
[57] – نظرية الشعر العربي، محي الدين صبحي 136
[58] – انظر: مقدمة “شرح المرزوقي على ديوان الحماسة لأبي تمام”
[59] – انظر المرجع نفسه.
[60] – المرجع نفسه، ج1، ص. 11.
[61] – العمدة، ج1، ص. 213.
[62] – نقد الشعر: 197.
[63] – انظر: العمدة، ج1، ص. 290.
[64] – عيار الشعر، ابن طباطبا، ص. 9.
[65] – المرجع نفسه، ص. 213.
[66] – نقد الشعر، ص. 166.
[67] – الموازنة، ص. 234.
[68] – الوساطة، ص. 38.
[69] – شرح الحماسة، ج1، ص. 10-11.
[70] – الحيوان، ط1،1938، ج6، ص. 8.
[71] – البيان والتبين، ج1، ص. 39.
[72] – انظر: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، لحازم القرطاجني، تحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الثالثة 2007،ص.152.
[73] – انظر نقد الشعر، ص. 210.
[74] – لسان العرب، مادة ( نظم).
[75] – أساس البلاغة، للزمخشري، مادة ( نظم)
[76] – كتاب الخطابة،لأرسطو، ترجمة عبد الرحمان بدوي، القاهرة، 1959، ص. 185.
[77] – الأدب الصغير، ابن المقفع، تحقيق أحمد زكي، مصر 1911، ص. 6-7.
[78] – البيان والتبين، ج1، ص. 13.
[79] – ثلاث رسائل في إعجاز القرآن،للرماني والخطابي وعبد القاهر الجرجاني، حققها محمد خلف الله أحمد ومحمد زغلول سلام، دار المعارف القاهرة، الطبعة الخامسة 2008، ص. 107 .
[80] – مقدمة في الأصول الفكرية للبلاغة وإعجاز القرآن، دار الأمان للنشر والتوزيع، الرباط، الطبعة الأولى 1989، 53.
[81] – البيان والنبيّن، ج1، ص. 65،66.
[82] – المرجع نفسه، ج2، ص. 7- 8.
[83] – الحيوان، ج3، ص 131- 132.
[84] – البيان والتبين، ج1، ص. 66.
[85] – إعجاز القرآن، للباقلاني، ص. 117.
[86] – المرجع نفسه، ص. 42.
[87] – انظر: مقدمة في الأصول الفكرية للبلاغة وإعجاز القرآن، أحمد أبو زيد، ص. 95 ما بعدها.
[88] – دلائل الإعجاز، ص.51-52.
[89] – المرجع نفسه، ص. ن.
[90] – المرجع نفسه، ص. 55.
[91] – المرجع نفسه، ص. 5.
[92] – المرجع نفسه، ص. 9.
[93] – المرجع نفسه، ص. 13.
[94] – يشير الجرجاني إلى أن الاستعارة من البديع.
[95] – أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني، ………..ص….
[96] – اللغة العربية معناها ومبناها، تمام حسان، ص. 18- 19.